فهرس الكتاب

الصفحة 202 من 1226

أقول: أما بيع أئمة الجور وشراؤهم على وجه التجارة مع رعاياهم فهذه المسألة قد عمت وطمت وكادت تطبق الأرض وقد رأينا في كتب التواريخ حكايات عن ملوك مصر من الجراكسة ، وذلك من أشدها وأعظمها جرمًا أنهم إذا أرادوا بيع شئ لهم أكرهوا التجار على شرائه بأضعاف ثمنه ، وإذا أراد أحد منهم الإمتناع ضربوه ضربًا مبرحًا ، وأخذوا ماله كرهًا . ومن ذلك أنهم يمنعون الناس من الشراء من أحد من التجار حتى ينفق ما يريدون بيعه من أموالهم فيرتفع ثمنه لأجل ذلك وينفق سريعًا . قال الماتن في حاشية الشفاء: وفي الديار اليمنية من هذا القبيل أنواعها منها: أنهم يرسمون صرف القرش بمقدار محدود من الضربة التي يضربونها من الفضة المغشوشة بالنحاس المغلوبة بالغش على وجه لا تكون الفضة الخالصة إلا مقدار نصف الفضة التي في القرش ، ثم أن الرعايا لا تمتثل هذا الرسم بل يتعاملون في المصارفة بزيادة على ذلك إلى مقدار الثلث أو الربع من ذلك الرسم ، فإذا كان النقد خارجًا من مال الدولة إلى غيرهم من الأجناد ونحوهم كان على ذلك الرسم الناقص ، وإذا كان النقد داخلًا إلى أموال الدولة من الرعايا لم يقبلوا منهم إلا القروش الفرانسة أو الصرف الزائد الذي يتعامل به الرعية فيما بينهم فيأخذون ثلث أموال الرعية أو ربعها ظلمًا ، وإذا تزايد صرف القروش بين الرعايا أمر الأمراء بكسر السكة ويضربون ضربة أخرى مثل الكسورة في الخالص والغش أو أكثر منها غشًا ، ثم يمنعون التعامل بتلك الضربة الأولى فيبيعونها الرعايا وزنًا من الدولة ، فيأتي ثمن القفلة منها بنصف قفلة من الضربة الأخرى وقد يزيد قليلًا ، أو ينقص قليلًا ثم يأخذون تلك السكة الأولى ويضربونها على تلك الضربة الأخرى ويدفعونها إلى الرعايا بصرف قد رسموه فيأكلون بهذا الذريعة نصف أموال العباد أو قريبًا من ذلك ، والرعايا لا يقدرون على الإستمرار على الرسم الذي يرسمونه لهم في صرف القروش من تلك الضربة لأنهم يحتاجون إلى القروش الفرانسة في كثير من الحالات لكونه لا يتفق لهم في المعاملة لتجار سائر الأرض إلا هي . ومن الأنواع التي يأكلون بها أموال الرعايا أكلًا ظاهرًا ويتجرون فيها إتجارًا بينًا ، أنهم يجعلون ضرائب على الباعة في الأسواق يجبرونهم على تسليمها شاؤا أم أبوا ، ثم يأذنون لهم بالزيادة في الأسعار فيبيعون بما شاؤا ويصنعون بالناس ما أرادوا وليس عليهم إلا الوفاء بالضرائب . فإذا استغاث مستغيث بالناس من زيادة الأسعار أو أراد منكر أن ينكر على الباعة ما يفعلونه ، قالوا: هذه الزيادات للدولة فيلقمون المنكر والمستغيث حجرًا . وكم أعدد لك من هذه إلا حبولات الشيطانية التي هي السحت بلا شك ولا شبهة نسأل الله أن يصلح الجميع انتهى . ومن هذا القبيل أنواع المكوس على أهل الدور ، والتجارات ، والضرائب المتنوعة ، التي لا تكاد تنحصر على الرعايا في الأشياء المختلفة ، وكل ذلك من جهة الدول ولا شكوى في ذلك من الكفرة الفجرة ، الذي استولوا على أكثر البلاد الإسلامية ، بل من ملوك الإسلام وولاة المسلمين المدعين للتدين بالدين المحمدي والله سبحانه وتعالى يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد . وانظر في كتابنا أكليل الكرامة في تبيان مقاصد الإمامة يتضح عليك الحق في هذا الباب من الباطل والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم . قال الماتن في حاشية الشفاء: اعلم أن باب المصارفة قد صار في هذه الأزمنة بحيث لا يتمكن من الخلوص عن الدخول به في الربا البحت أحد ، كما عرفناك فيما سبق . ثم أن الناس يحتاجون إلى التعامل بهذه الضربة في تصرفاتهم ، ويضطرون إلى المصارفة بها إلى القرش الفرنجي بذلك المقدار المرسوم لهم فيبيعون الفضة بالفضة مع العلم بالتفاضل وهذا ربًا بحت . والعارف منهم يستروح إلى حيل قد رآها في كتب الفروع التي لا يرجع غالبها إلى دليل ، وهي لا تغني من الحق شيئًا . وها نحن نعرفك بغالب ما يظنونه من الحيل مخلصًا له من ورطة الربا ، فمن ذلك أن بعض المتفقهة الذين لا يعرفون لعلوم الإجتهاد رسمًا قد أفتاهم بأنه لا ربا في المعاطاة ، وأن الصرف الذي يفعله الناس الآن هو معاطاة لعدم وقوع العقد . وهذا المقصر لا يدري بأن أدلة الكتاب والسنة مصرحة بتحريم الربا من غير نظر إلى عقد . بل لم يعتبر الله في البيع إلا مجرد الرضا . ومن ذلك ما قاله أيضًا بعض المصنفين في الفروع أن الغش في كل واحد من البدلين يكون مقابلًا للفضة في الآخر ، وهذا لا يرضى به عاقل قط . وكيف يرضى العاقل أن يبيع تسع أواقي فضة بأوقية نحاس . فإن كان مراد هذا القائل أن ذلك مخلص عن الربا سواء رضي كل واحد من المتبايعين بالبدل أم لم يرض فهذا جهل لا علم ومن ذلك أن الغش في كل واحد من البدلين يكون جريرة مسوغة للصرف . وهذا يرده حديث القلادة فإنه قد انضم إلى الفضة غيرها ولم يجعل النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ذلك مسوغًا للبيع بل أمر بالفصل والتمييز بين الفضتين . وقد ذكروا غير هذه الأمور مما هو من السقوط بمكان لا يخفى على من له أدنى فطنة . فإن قلت فهل من مخلص من هذه الورطة التي وقع الناس فيها ؟ قلت: نعم . ثم مخلص أرشد إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ما قاله لمن اشترى تمرًا جيدًا بتمر رديء أحد التمرين جمع والآخر جنيب وأخبره أنه اشترى الصاع الجيد بصاعين من الرديء فقال له رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم أن ذلك ربا فسأله رسول الله كيف يصنع فقال: أنه يبيع التمر الرديء بالدراهم ثم يشتري بها التمر الجيد فهذه وسيلة شرعية ومعاملة نبوية فمن أراد أن يصرف الدراهم المغشوشة بالقروش الفرنجية فليشتر صاحب الدراهم مثلًا بمقدار صرف القرش سلعة من صاحب القرش ثم يبيعها منه بالقرش ولا مخلص من ذلك إلا هذه الصورة . ومن ظن أن ثم مخلصًا في غيرها فهو مخادع بنفسه بما هو صريح الربا المتوعية عليه بحرب من الله ورسوله وعلى الضارب لتلك الدراهم المغشوشة نصيبه من الإثم لأنه حمل الناس على الربا وألجأهم إلى الدخول فيه وسن لهم هذه السنة الملعونة لقصد الحطام وأكل أموال الناس بالباطل . ولو كان ممتثلًا لما أمر الله به من الرفق بالرعية والعدل في القضية لكان له بضرب الفضة الخالصة عن الغش مندوحة وأقل أحوال المسلم أن يكون في رعاية مصالح الرعية كالفرنج فيجعل ضربته كضربتهم حتى يرتفع الربا في المصارفة انتهى .

الفهرس العام

(( مقدمة هامة ) )... 2

خطورة منصب الفتوى ... 3

تمهيد ... 21

أولا تعريف الربا لغة ... 21

ثانيا- أهم خصائص الاقتصاد الإسلامي ... 32

معالم النظام الاقتصادي في الإسلام ... 32

المبحث الأول ـ الاقتصاد الإسلامي ومعالمه الكبرى: ... 32

أولًا ـ لمحة عابرة عن خصائص النظامين الاشتراكي والرأسمالي: ... 34

ثالثًا ـ مبدأ الحرية الاقتصادية: ... 47

رابعًا - قيمة العمل ودوره في الحياة الاقتصادية وأثره على أثمان الأشياء: ... 48

خامسًا ـ مبدأ تدخل الدولة في النشاط الاقتصادي للأفراد: ... 52

4 -تحقيق التوازن الاقتصادي: ... 60

سادسًا ـ أسس العدالة الاجتماعية في الإسلام: ... 61

سابعًا ـ موقف الإسلام من تعارض مصلحتي الفرد والجماعة: ... 66

الاقتصاد الإسلامي ... 70

خصائص ومقومات: الاقتصاد الإسلامي ... 78

خصائص ومقومات الاقتصاد الإسلامي ... 82

نظرة الإسلام للمال ... 93

مزية الاقتصاد الإسلامي ... 97

تربية ... 99

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت