5-ثم إن الأمان المجعول محلًا لعقد التأمين مجهول المقدار غير معلوم الصفة تحديدًا وهذا غرر أيضًا .
الدليل الثاني: أن عقد التأمين يتضمن الميسر والقمار وقد حَرَّم الله الميسر بقوله تعالى: (إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (المائدة: من الآية90) .
والميسر كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية: ( أخذ مال الإنسان وهو على مخاطرة هل يحصل له عوض أو لا يحصل ) (38) .
وهذا الوصف متحقق في عقد التأمين باعتراف رجال القانون وذلك لأن الشخص الذي يأخذ على عاتقه ضمان الخطر يراهن على تحقق الخطر فإذا لم يتحقق كسب المبلغ الذي دُفع له , وإذا تحقق دَفع مبلغًا يزيد كثيرًا عما قبضه وهذا هو الرهان (39) .
وقد نوقش هذا الدليل بأن التأمين جد والقمار لعب وأن المؤمن إنما دفع ماله لمن يدفع عنه ضررًا كما يدفع التاجر لمن يحرس القافلة مبلغًا لحفظها من الخطر (40) .
الجواب أن عقد التأمين يدخل تحت تعريف الميسر وتوجد فيه خصائصه .
وأما الخفارة التي تُدفع لمن يحرس القافلة ونحوها فهذا المبلغ إنما يُدفع أجرةً للحارس مقابل تسليمه نفسه وقت العقد ليقوم بمقتضاه ولم يأخذ المبلغ دون تسليمه نفسه . ثم إنه لا يضمن ما سرق أو تلف إذا لم يفرط في واجبه .
الدليل الثالث: أن عقد التأمين يتضمن الربا بل هو أصيل فيه والربا محرم مفسد للعقد المشتمل عليه . وذلك أن التأمين كما عَرَّفه القانون: عقد يلتزم المؤمن بمقتضاه أن يؤدي إلى المؤمن له مبلغًا من المال ... في نظير مقابل نقدي ... فهو معاوضة مال بمال دون تقابض ولا تماثل وهذا هو الربا .
أدلة أصحاب القول الثاني:
استدل أصحاب هذا القول بأقيسةٍ مختلفةٍ من أبرزها ما يلي:
الأول: القياس على العاقلة: فإنَّ العاقلة تتحمَّل شرعًا دية قتل الخطأ عن القاتل وتتقاسمها بين أفرادها لأجل تفتيت أثر المصيبة عن الجاني . وكذلك الحال في شركات التأمين فإنها تعمل على ترميم الأخطار , وتخفيف المصاب (41) .
ويناقش هذا القياس بأمور:
1-أن العاقلة تتحمل الدية لما بينها وبين القاتل من قرابة ورحم التي تدعو للتعاون ولو دون مقابل, وعقود التأمين تجارية تقوم على المعاوضة الماليَّة المحضة لا إلى عاطفة الإحسان فهذا قياس مع الفارق .
2-أن ما تتحمله العاقلة يختلف باختلاف أحواله من غنى وفقر أما أعضاء شركات التأمين فيتحملون على السواء ولا يُنظر إلى ثروتهم الخاصة في تقدير ما يتحمله كل فرد .
الثاني: تخريج عقد التأمين على مسألة ضمان خطر الطريق وقد نَصَّ الحنفيَّة على جوازها وصورتها أن يقول رجل لآخر: اسلك هذا الطريق فإنّه آمن وإن أصابك فيه شيء فأنا ضامن فإذا سلكه فأخذه اللصوص ضمن القائل .
وعقد التأمين يشبه هذه المسألة من حيث التزام الضمان فالشركة التزمت الضمان كما أنَّ القائل التزم الضمان (42) .
ونوقش بوجود الفارق بين المسألتين من وجوه:
1-ففي مسألة الضمان كان الالتزام من طرف واحد في حين أن الالتزام في عقد التأمين من الطرفين (43) .
2-ولأن الضمان من عقود التبرعات التي يراد بها المعروف , والتأمين عقد معاوضة مالية فلا يصح القياس بينهما .
3-ثم إن مسألة ضمان خطر الطريق مبعثها تغريره للسالك وإخباره بأنه آمن لا لمجرد الضمان , أما شركات التأمين فهي تقرر التضمين مطلقًا (44) .
4-كما أن للضامن أن يرجع على المضمون بما دفع عنه وليس الحال كذلك في التأمين لكونه معاوضة لا ضمانًا .
الثالث: قياس عقد التأمين على نظام التقاعد وأشباهه . وذلك أن نظام التقاعد عقد معاوضة يقوم على اقتطاع جزء ضئيل من مرتب الموظف شهريًا ليصرف له تعويض في نهاية خدمته وهذا يشبه أقساط التأمين وعوضه وفي كليهما لا يدري الشخص كم يستمر دفعه ولا كم يبلغ مجموعه ثم قد يستلم ما يزيد كثيرًا على مجموع الأقساط وقد لا يستلم شيئًا فإذا جاز نظام التقاعد فليكن الحكم مثله للتأمين (45) .
ونوقش: بأن التقاعد ليس عوضًا عما اقتطع من الموظف شهريًا و إلا لوجب توزيعه على سنن الميراث ولم يجز أن يحرم منه الموظف ولا ورثته بعده وإنما التقاعد مكافأة التزم بها ولي الأمر باعتباره مسئولًا عن رعيته وراع في احتسابها ما قام به الموظف من خدمة ومصلحة أقرب الناس إليه ومظنّة الحاجة فيهم . فليس التقاعد معاوضة بين الدولة وموظفيها ولا يقوم على أساس التجارة وتحصيل الأرباح .
هذا وقد استدل أصحاب هذا القول بأقيسة أخرى تشترك جميعها في أنها لا يصح التخريج عليها لعدم توافر شروط القياس وأهمها أن يكون المقيس عليه متفقًا عليه لئلا يمنع المخالف حكم الأصل وهذا ممكن في جميع الأقيسة .
كما أنه يوجد الفارق بين عقد التأمين وبين المقيس عليه وأما القول الثالث فاستدل على ما منع بأدلة المانعين وعلى ما أباح بأدلة المبيحين وقد سبق ذلك .
القول الراجح:
القول الراجح مما سبق بعد تأمل الأدلة هو القول بتحريم هذا العقد لكون أدلتهم أقوى استنباطًا وأتم دلالة , فمن أباح التأمين اعتمد على أقيسة مأخوذة من استنتاجات الفقهاء بينما المحرِّم له استند إلى نصوص شرعيَّة وقواعد أساسيَّةٍ أجمع المجتهدون على الأخذ بها .
كما أن التأمين لا يتضمن مصلحة غالبة وسبق أن نشر تفسير ذلك جليًا (46) .
وليس فيه مصلحة للمجتمع في النهاية بل كل ما يترتب عليها هو نقل عبء الخطر برمته من عاتق شخص إلى عَاتِق شخص آخر وهذا ليس فيه أيَّة فائدة للمجتمع (47) . وله خطورة على اقتصاد الدولة من حيث سيطرة شركات التأمين ممثلة في أفراد قلائل على مدخرات المواطنين وتوجيهها وفق هواها ومصالحها الخاصة مما اضطر بعض الدول إلى تأميم شركات التأمين (48) .
البديل الشرعي لعقد التأمين التجاري.
لا شك أن التعاون في تفتيت الأخطار ومواجهة الظروف والتكافل في حلها مما يدعو إليه الإسلام وقرره في تشريعات مختلفة كالزكاة التي هي مظلة التأمين الكبرى لجميع المواطنين في المجتمع الإسلامي وكواجب الإنفاق على القرابة والضيف وكواجب بيت المال في تأمين حد الكفاية لكل فرد في المجتمع الإسلامي .
ومن وسائل التعاون التي أفتت المجامع الفقهية المعاصرة بجوازها ما يسمى بالتأمين التعاوني (49) .
والمراد به في ضوء القرارت المشار إليها: قيام جماعة يتفق أفرادها على تعويض الأضرار التي قد تنزل بأحدهم نتيجة خطر معين وذلك من مجموع الاشتراكات التي يتعهد كل فرد منهم بدفعها .
فهذا عقد تبرع يقصد به التعاون ولا يستهدف تجارة ولا ربحًا كما أنه يخلو من الربا ولا يضر جهل المساهمين فيه بما يعود إليهم من النفع لأنهم متبرعون فلا مخاطرة ولا غرر ولا مقامرة .
وأبسط تصوير لهذا التأمين هو أن تكون أسرة أو جماعة صندوقًا ويدفعوا مبالغ يؤدى من مجموعها تعويض لأي فرد منهم يقع عليه الخطر فإن لم تفي المبالغ التي دفعوها سَدَّدوا الفرق المطلوب وإن زاد شيء بعد التعويضات أُعيد إليهم أو جُعل رصيدًا للمستقبل ويمكن أن يوسَّع هذا التصور المبسط ليطور هذا الصندوق ليكون هيئة أو مؤسسة يتفرغ لها بعض العاملين لتحصيل المبالغ وحفظها وصرف التعويضات ويكون لها مجلس إدارة يقرر خطط العمل وكل ذلك بمقابل أجر معين أو تبرعًا منهم .
بشرط أن يكون مبناه التبرع ولا يقصد منه تحصيل الأرباح وغاية جميع أطرافه التعاون (50) .
تطبيقات التأمين التعاوني: