فهرس الكتاب

الصفحة 1095 من 1226

وإذا ما استمر العالم على هذا النحو من تفشي الربا، وارتباط المعاملات المالية به فإن النهاية المحتومة ازدياد الفقر والجوع حتى يهلك أكثر البشر، واجتماع المال في خزائن فئة معدودة من كبار المرابين، وهذا ما جعل أحد كبار الاقتصاديين الأوروبيين يطلق على الربا: تجارة الموت؛ فيقول:"الربا تجارة الموت، ومن شأنه أن يشعل الرأسماليون الحرب وإن أكلت أكبادهم في سبيل مضاعفة رأس المال ببيع السلاح" (1) .

وما حطم قيمة الأوراق النقدية، وقضى على أسعار العملات إلا الربا الذي يقوم عبره عصابة من المرابين بضخ المال في عملة من العملات ثم سحبه من رصيدها لتقع قيمتها من القمة إلى الحضيض، فيصيب الفقر شعوبًا وأممًا لا تملك سوى عملتها التي ما عادت تساوي شيئًا، وليس ببعيد عن الأذهان ما حصل لبعض دول شرق آسيا.

3 الربا سبب لرداءة النقود وضعفها:

المتخصصون في الاقتصاد يقررون أن النقود هي دماء الاقتصاد، والنقود السليمة هي التي تجعل الاقتصاد سليمًا؛ ولكن نقود العالم الحالية مريضة بالتضخم الناتج عن الربا، ولا يمكن علاجها إلا بمعالجة التضخم، ولن يتم علاجه إلا بإلغاء فوائد الربا. ويشخِّص هذه الحقيقة الاقتصادي الألماني: (جوهان فيليب بتمان) مدير البنك الألماني (فرانكفورت) فيقول:"كلما ارتفعت الفائدة تدهور النقد، فكما يؤدي الماء إلى رداءة عصير البرتقال أو الحليب فإن الفائدة تؤدي إلى رداءة النقود. قد يبدو الأمر أننا نسوق تعبيرات أدبية، أو أننا نبسط المسألة ونسطحها؛ ولكن الحقيقة أن هذه العبارة السهلة البسيطة هي في الواقع معادلة سليمة وصحيحة تدل عليها التجربة، ويمكن إثباتها؛ فالفائدة العالية تدمِّر قيمة النقود، وتنسف أي نظام نقدي ما دامت تزيد كل يوم، وتتوقف سرعة التدمير وحجمه على مقدار الفائدة ومدتها" (1) .

وهكذا صارت عاقبة الربا وإن كثر إلى قِلٍّ. وهذه صورة من صور المحق التي يسببها الربا للأموال المتعاملين به.

وبسبب انتشار الربا في المعاملات المالية أضحت البورصات العالمية وكأنها صالة قمار واسعة، ليس الأمر فيها يتصل بالمقامرات غير المحسوبة فحسب؛ بل إن هناك من يبيع دائمًا ما لا يملك، ومن يشتري من دون أن يدفع ثمنًا. ومن يتظاهر بأن هناك أسهمًا لشركات وما هي في الواقع بشركات، ومن يقيد بالدفاتر مليارات كبيرة دون أن يراها، ودون أن يقابلها رصيد من أي نوع، إنها الفائدة الملعونة المسؤولة عن المصائب الكبرى في النظام النقدي العالمي، وهي المسؤولة عن التضخم، وعن ضياع الأموال، وعن عجز دفع المدينين ديونهم، كما قرر حقيقة ذلك الاقتصادي الغربي (موريس آليه) الحائز على جائزة نوبل في الاقتصاد (2) .

4 الربا سبب لرفع الأمن وانتشار الخوف:

تسود الأنانية وحب الذات وانعدام الرحمة كل المجتمعات التي ينتشر فيها الربا؛ فالموسرون المرابون يقرضون الفقراء المحتاجين بفوائد الربا التي تزداد مع طول المدة وشدة الحاجة، مما يجعلهم عاجزين عن السداد. والنتيجة النهائية: إما أن يسرقوا لسداد القروض الربوية، وإما أن تصادر أملاكهم وتباع للمقرضين؛ ليعيشوا وأسرهم بقية أعمارهم على قارعة الطريق يتكففون الناس، أو في الملاجئ والدور الاجتماعية مما يكون سببًا في قتل كرامتهم، وحرمان المجتمع من عملهم وإنتاجهم.

إن الربا هو السبب الرئيس في انتشار الجريمة والانتقام بين أصحاب رؤوس الأموال وكبار المرابين، مما يكون سببًا في رفع الأمن، وبسط الخوف والذعر في المجتمعات.

وواقع كثير من البلدان التي ينتشر فيها الربا شاهد على ذلك، وهل يستطيع إنسان بِيعَ بيتُه، وشُرِّدَ هو وأولاده لسداد ما عليه من قروض الربا أن يصبر عن الانتقام؟ وماذا يبقى له في الدنيا إذا كان يريد العيش لها إلاَّ أنه فقدها فجأة؟!

وأخيرًا.. اجتناب الربا أهون من التخلص منه:

إن المتعامل بالربا يعز عليه الخلاص منه بعد الغرق فيه؛ ولا سيما إذا كانت تجارته كلها مؤسسة عليه. ولا ينجو من ذلك بعد الانغماس فيه، ويبادر بالتوبة والخلاص منه إلا من هدي للرشاد ووفق للخير.

قد يغتر المبتدئ في حياته الوظيفية أو التجارية بالقروض الربوية الميسرة أو بالفوائد المركبة والبسيطة التي تعلن عنها بين حين وآخر البنوك الربوية؛ بقصد أكل أموال الناس بالباطل، ويتولى إثم الإعلان عنها، والدعاية لها المؤسسات الإعلامية المختلفة من مشاهد ومسموع ومقروء؛ ولكن ذلك المسكين الذي اغتر بها حين يفرق في الربا ربحًا أو خسارة فلن ينجو بسهولة، وكان الأسهل عليه أن يجتنب طريقها أولًا.

إنه قد يربح الفوائد من الإيداع ولكنه سيخسر بركة ماله، ولقمة الحلال ودينه وآخرته، وإن كان مقترضًا فسيجني أغلال الديون مع الإثم والفقر.

والشاب الذي يغريه راتب الوظيفة الربوية وسيارتها وبعثاتها وميزاتها عليه أن يتذكر أن عاقبة ذلك خسران في الدنيا والآخرة، والرضى بالقليل الحلال خير وأعظم بركة من الكثير الحرام، ولن يندم عبد تحرى الحلال في كسبه وإن فاته الكثير من المال؛ لكنه سيندم أشد الندم إن أدخل في جوفه حرامًا، وقد يكون ندمه متأخرًا لا ينفعه.

والله تعالى قال: فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى"فله ما سلف وأمره إلى الله ومن عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون {البقرة: 275} ."

(1) أخرجه مسلم في الحج، باب حجة النبي صلى الله عليه وسلم من حديث جابر رضي الله عنه (147) .

(2) تفسير ابن كثير (1-889 890) .

(3) لم يأت إطلاق لفظ المحاربة في الشريعة حسب علمي إلا على ثلاث من الكبائر: =

= أ - أكل الربا وفيه قول الله تعالى: فأذنوا بحرب من الله ورسوله {البقرة: 279} .

ب - قطع الطريق وفيه قوله تعالى: إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا .... {المائدة: 33} .

ج - معاداة أولياء الله تعالى وفيه الحديث القدسي:"من عادى لي وليًا فقد آذنته بالحرب..."أخرجه البخاري (6502) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه ، وجمع الذنوب والمعاصي فيها نوع محاربة لله ورسوله؛ لكن نص الشارع على هذه الثلاث من الكبائر لعظيم جرم مرتكبها، فهو مستحق لسخط الله ومقته.

(1) انظر: هذه الآثار في جامع البيان، للطبري 3-108.

(2، 3) انظر: هذه الآثار في جامع البيان، للطبري، 3-108.

(4) انظر: محاسن التأويل، للقاسمي، 1-631.

(1) تفسير ابن كثير، 1-493. (2) محاسن التأويل، 1-631.

(3) أخرجه مسلم في المساقاة، باب لعن آكل الربا وموكله (1598) .

(4) كما في حديث عبيد بن عمير الليثي عن أبيه أخرجه أبو داود في الوصايا (2875) وفيه: (هن تسع) وذكر زيادة على السبع المذكورة في حديث أبي هريرة رضي الله عنه عند الشيخين: (وعقوق الوالدين المسلمين، واستحلال البيت الحرام قبلتكم أحياءً وأمواتًا) والطحاوي في شرح مشكل الآثار (898) والحاكم وصححه ووافقه الذهبي 1-95.

(5) أخرجه الشيخان البخاري في الوصايا (2766) ، ومسلم في الإيمان (89) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

(6) أخرجه أحمد، 1-402، وأبو يعلى كما في المقصد العلي (1859) من حديث ابن مسعود رضي الله عنه وجوّد إسناده الهيثمي في الزوائد 4-118، والمنذري في الترغيب 3-194، وأخرجه الحاكم من حديث ابن عباس رضي الله عنهما مرفوعًا، وصححه ووافقه الذهبي، 2- 37.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت