فهرس الكتاب

الصفحة 1089 من 1226

وهذا كله غير متحقق في العلاقة محل النظر، فإن البنك هنا يضمن رأس المال كما يضمن الربح، ويتحمل المخاطرة والخسارة. فتكييف العلاقة على انها مضاربة بعيد كل البعد. وإذا بطلت المضاربة يبطل تكييف العلاقة بالشركة، اذ لا يصح ان يكون البنك شريكا مع العملاء، فإن الشركة تبطل باجماع الفقهاء متى ضمن احد الشركاء لغيره من الشركاء الربح لما يؤدي اليه من قطع الشركة في الربح ـ كما سبق ـ فلم يبق الا ان العلاقة بين البنك وعملائه ارباب المال الا علاقة اقراض واقتراض فالبنك مقترض اموالهم وهم مقرضون والمسمى ربحا أو عائدا هو نصيب ارباب العمل، وهو الفائدة الربوية المضمونة والمنسوبة لرأس المال والمدة. وهذا عين الربا، ربا الجاهلية الذي يربط فيه المقرض الفائدة برأس المال والمدة، فكلما زاد رأس المال أو المدة زادت الفائدة. وإذا كنا نتلمس سندا أو دليلا لتكييف العلاقة بالوكالة أو المضاربة أو المشاركة، فإنا لا نحتاج الى دليل على كونها علاقة قرض واقتراض، فهذا ظاهر من السؤال ومن الجدول المرافق له فكان من الواجب ان يقول المجمع: «ان هذه المعاملة محرمة لأنها تضمنت الربا الصريح بدليل الجدول المرافق للسؤال» .

أما الأمر الثالث: وصف استثمارات البنك بأنها في معاملاته المشروعة. إن الفتوى لا تستقيم فقها حتى تبين ما هي هذه الاستثمارات البنكية المشروعة، وقد اصدر البنك هذا الحكم الشرعي، فوصف عمله بذاته بأنه مشروع، والفتوى قبلت هذا الوصف واقرته، ومن واجب المفتي ان يسأل عن طبيعة هذه الاستثمارات حتى ولو ظن انها فعلا مشروعة، فهي مشروعة في نظر المستفتي، فلا بد من الاستفصال عن طبيعتها ونوعها ليكون الحكم الشرعي على وفقها، فهي من مناطات الحكم التي لا تصح الفتوى دون تحريره. ولا يعقل ان أحدا من العلماء الافاضل، ومن بينهم ثلاثة من الفقهاء المتخصصين في الفقه والاصول لم يسأل عن طبيعة هذا الاستثمار. ولعلها لم تبين لأنه لا يمكن الا ان تكون استثمارات غير مشروعة، وهي التي لا يملك البنك غيرها بنصوص القوانين، سواء القانون المصري أو بقية قوانين البلاد العربية وغيرها التي تقر اعمال البنوك الربوية، وكلها تعتبر اموال العملاء قرضا على البنك ويجب ان يعطي عليه فائدة وهناك بعض نصوص القانون المصري فالمادة 726 من القانون المدني تنص على الآتي: «اذا كانت الوديعة مبلغا من النقود، أو أي شيء آخر مما يهلك بالاستعمال، وكان المودع عنده مأذونا له في استعماله، اعتبر العقد قرضا» . وتنص المادة 301 من القانون رقم 17 لسنة 1999م على ان وديعة النقود عقد يخول البنك ملكية النقود المودعة، والتصرف فيها بما يتفق ونشاطه مع التزامه برد مثلها للمودع طبقا لشروط العقد». وتحظر المادة 39 على «البنك التجاري التعامل في المنقول والعقار بالشراء والبيع أو المقايضة» . كما تنص المادة 45 على انه: «يحظر على البنوك العقارية والبنوك الصناعية والبنوك الاستثمارية الاعمال المحظورة على البنوك التجارية» .

وازاء هذه النصوص الواضحة فإن مقولة ان البنك يستثمر اموال العملاء في استثمارات مشروعة غير صحيح، ولو صح لم يسمح بها القانون، ولمنع هذه المعاملة وأوقع العقوبة على البنك المخالف لاختصاصه المحدد، وهو الاقراض والاقتراض فحسب.

ب ـ الفقرة الثانية: «هذه المعاملة بتلك الصورة حلال ولا شبهة فيها، لأنه لم يرد نص في كتاب الله أو السنة النبوية يمنع هذه المعاملة التي يتم فيها تحديد الربح أو العائد مقدما، ما دام الطرفان يرتضيان هذا النوع من المعاملة. قال الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم) «سورة النساء الآية 29» . أي: يا من آمنتم بالله حق الايمان، لا يحل لكم، ولا يليق بكم ان يأكل بعضكم مال غيره بالطرق الباطلة التي حرمها الله تعالى كالسرقة، أو الغصب، أو الربا، أو غير ذلك مما حرمه الله تعالى، لكن يباح لكم ان تتبادلوا المنافع فيما بينكم عن طريق المعاملات المشروعة الناشئة عن التراضي الذي لا يحل حراما ولا يحرم حلالا، سواء أكان هذا التراضي فيما بينكم عن طريق التلفظ أم الكتابة أم الاشارة أم غير ذلك مما يدل على الموافقة والقبول بين الطرفين.

ومما لا شك فيه ان تراضي الطرفين على تحديد الربح مقدما من الامور المقبولة شرعا وعقلا حتى يعرف كل طرف حقه.

هذه الفقرة تضمنت عدة أمور الاول: ان هذه المعاملة حلال لا شبهة فيها لأنه لم يرد نص في الكتاب أو السنة النبوية يمنع هذه المعاملة. والثاني: ان رضا الطرفين يكفي في وصف هذه المعاملة بأنها حلال والاستشهاد على صحة ذلك بالآية الكريمة.

الأمر الأول: ان هذه المعاملة حلال لا شبهة فيها لأنه لم يرد نص من الكتاب أو السنة النبوية يمنع هذه المعاملة. هذا مبني على صحة المعاملة، وان تكييفها وكالة صحيحة، وان الاستثمار قد تم في مجالات مشروعة، وهذا كله لم يصح بالبيان السابق. والقول الصحيح المدعوم بالأدلة السابقة يشير الى انها معاملة محرمة لا تختلف في شيء عن عمل البنوك الربوية في اعتبار المال قرضا واعطاء الفائدة المضمونة عليه. ولا يخفى ان اشد آية نزلت في كتاب الله هي في حرمة الربا وقد تضافرت نصوص الكتاب والسنة واجماع الامة على حرمة الربا وهو عينه الصورة المذكورة في السؤال والجدول المرافق له. قال الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين. فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون) ، (البقرة: 278 ـ 279) ، وقال تعالى: (وأحل الله البيع وحرم الربا فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وأمره إلى الله ومن عاد فأولئك اصحاب النار هم فيها خالدون) ، (البقرة: 275) ، ومن السنة احاديث كثيرة منها: ما رواه: جابر بن عبد الله الانصاري قال: «لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه» وقال: «هم سواء» (مسلم 3/219) حديث رقم 1598. والربا اعظم ذنبا من الزنى لقوله صلى الله عليه وسلم: «درهم ربا يأكله الرجل وهو يعلم أشد من ست وثلاثين زنية» (مشكاة المصابيح 90/2) ، حديث صحيح كما قال الشيخ ناصر الدين الالباني).

وأما الاجماع فقد قال ابن المنذر: أجمعوا على أن المسلف إذا شرط على المستسلف زيادة أو هدية فأسلف على ذلك ان أخذ الزيادة على ذلك ربا، وقال القرطبي: «اجمع المسلمون نقلا عن نبيهم صلى الله عليه وسلم ان اشتراط الزيادة في السلف ربا ولو كان قبضة من علف ـ كما قال ابن مسعود ـ أو حبة واحدة» تفسير القرطبي 241/3» وهذه المعاملة بذاتها شكلا وموضوعا، وهو القرض الذي جر نفعا نظير الاجل هو ربا النسيئة المعروف في الجاهلية الذي نزلت الآيات بتحريمه، قال الامام الرازي: «ربا النسيئة هو الامر الذي كان مشهورا متعارفا عليه في الجاهلية، وذلك انهم كانوا يدفعون المال على ان يأخذوا كل شهر قدرا معينا، ويكون رأس المال باقيا، ثم إذا حل الدين طالبوا المدين برأس المال، فإن تعذر عليه الاداء زادوا في الحق والأجل، فهذا هو الربا الذي كانوا في الجاهلية يتعاملون به «تفسير الرازي 92/4. وقال ابن قدامة: «كل قرض شرط فيه ان يزيده فهو حرام بغير خلاف» .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت