فهرس الكتاب

الصفحة 108 من 1226

وقوله: { وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ } أي: أن الله قد نهاهم عن الربا فتناولوه وأخذوه، واحتالوا عليه بأنواع من الحيل وصنوف من الشبه، وأكلوا أموال الناس بالباطل. قال تعالى: { وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا }

وقال القرطبي (1) :

فيه مسألتان:

الأولى قوله تعالى: { فَبِظُلْمٍ مِّنَ الذين هَادُواْ } قال الزجاج: هذا بدل من «فبما نَقْضِهِم» . والطيبات ما نصّه في قوله تعالى { وَعَلَى الذين هَادُواْ حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ } [ الأنعام: 146 ] وقدّم الظلم على التحريم إذ هو الغرض الذي قصد إلى الإخبار عنه بأنه سبب التحريم . { وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ الله } أي وبصدّهم أنفسهم وغيرهم عن اتباع محمد صلى الله عليه وسلم . { وَأَخْذِهِمُ الربا وَقَدْ نُهُواْ عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ الناس بالباطل } كله تفسير للظلم الذي تعاطوه ، وكذلك ما قبله من نقضهم الميثاق وما بعده؛ وقد مضى في «آل عمران» أن اختلاف العلماء في سبب التحريم على ثلاثة أقوال هذا أحدها .

الثانية قال ابن العربي: لا خلاف في مذهب مالك أن الكفار مخاطبون ، وقد بيّن الله في هذه الآيه أنهم قد نهوا عن الربا وأكل الأموال بالباطل؛ فإن كان ذلك خبرا عما نزل على محمد في القرآن وأنهم دخلوا في الخطاب فبها ونعمت ، وإن كان خبرًا عما أنزل الله على موسى في التوراة ، وأنهم بدّلوا وحرفوا وعصوا وخالفوا فهل يجوز لنا معاملتهم والقوم قد أفسدوا أموالهم في دينهم أم لا؟ فظنت طائفة أنّ معاملتهم لا تجوز؛ وذلك لما في أموالهم من هذا الفساد . والصحيح جواز معاملتهم مع رباهم واقتحام ما حرّم الله سبحانه عليهم؛ فقد قام الدليل القاطع على ذلك قرآنا وسنة؛ قال الله تعالى { وَطَعَامُ الذين أُوتُواْ الكتاب حِلٌّ لَّكُمْ } [ المائدة: 5 ] وهذا نصٌ؛ وقد عامل النبي صلى الله عليه وسلم اليهود ومات ودِرعه مرهونة عند يهودي في شعير أخذه لعياله . والحاسم لداء الشك والخِلاف اتفاق الأمّة على جواز التجارة مع أهل الحرب؛ وقد سافر النبي صلى الله عليه وسلم إليهم تاجرًا ، وذلك من سفره أمر قاطع على جواز السفر إليهم والتجارة معهم . فإن قيل: كان ذلك قبل النبوّة؛ قلنا: إنه لم يتدنس قبل النبوة بحرام ثبت ذلك تواترًا ولا اعتذر عنه إذ بُعِث ، ولا منع منه إذْ نبِّىء ، ولا قطعه أحد من الصحابة في حياته ، ولا أحد من المسلمين بعد وفاته؛ فقد كانوا يسافرون في فك الأسرى وذلك واجب ، وفي الصلح كما أرسل عثمان وغيره؛ وقد يجب وقد يكون ندبًا؛ فأمّا السفر إليهم لمجرّد التجارة فمباح .

وفي الظلال (2) :

فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم . وبصدهم عن سبيل الله كثيرا . وأخذهم الربا وقد نهوا عنه . وأكلهم أموال الناس بالباطل . وأعتدنا للكافرين منهم عذابا أليمًا . .

فيضيف إلى ما سبق من مناكرهم هذه المنكرات الجديدة:الظلم . والصد الكثير عن سبيل الله . فهم ممعنون فيه ودائبون عليه . وأخذهم الربا - لا عن جهل ولا عن قلة تنبيه - فقد نهوا عنه فأصروا عليه ! وأكلهم أموال الناس بالباطل . بالربا وبغيره من الوسائل .

بسبب من هذه المنكرات , ومما أسلفه السياق منها . . حرمت عليهم طيبات كانت حلالا لهم . وأعد الله للكافرين منهم عذابا أليمًا .

وهكذا تتكشف هذه الحملة عن كشف طبيعة اليهود وتاريخهم ; وفضح تعلاتهم وعدم الاستجابة للرسول وتعنتهم ; ودمغهم بالتعنت مع نبيهم وقائدهم ومنقذهم ; ويسر ارتكابهم للمنكر وجهرهم بالسوء في حق الأنبياء والصالحين . بل قتلهم والتبجح بقتلهم ! وتسقط بذلك وتتهاوى دسائس اليهود في الصف المسلم وكيدهم ومكرهم وحبائلهم . وتعرف الجماعة المسلمة - ما ينبغي أن تعرفه الأمة المسلمة في كل حين - عن طبيعة اليهود وجبلتهم , ووسائلهم وطرائقهم ; ومدى وقوفهم للحق في ذاته سواء جاء من غيرهم أو نبع فيهم . فهم أعداء للحق وأهله , وللهدى وحملته . في كل أجيالهم وفي كل أزمانهم . مع أصدقائهم ومع أعدائهم . . لأن جبلتهم عدوة للحق في ذاته ; جاسية قلوبهم , غليظة أكبادهم لا يحنون رؤوسهم إلا للمطرقة ! ولا يسلمون للحق إلا وسيف القوة مصلت على رقابهم . .

وما كان هذا التعريف بهذا الصنف من الخلق , ليقصر على الجماعة المسلمة الأولى في المدينة . فالقرآن هو كتاب هذه الأمة ما عاشت , فإذا استفتته عن أعدائها أفتاها , وإذا استنصحته في أمرهم نصح لها ; وإذا استرشدت به أرشدها . وقد أفتاها ونصح لها وأرشدها في شأن يهود , فدانت لها رقابهم . . ثم لما اتخذته مهجورا دانت هي لليهود , كما رأيناها تتجمع فتغلبها منهم الشر ذمة الصغيرة , وهي غافلة عن كتابها . . القرآن . . شاردة عن هدية , ملقية به وراءها ظهريا ! متبعة قول فلان وفلان !! وستبقى كذلك غارقة في كيد يهود وقهر يهود , حتى تثوب إلى القرآن . .

وفي التفسير الوسيط (3) :

ثم عدد - سبحانه - ألونا أخرى من جرائمهم التى عقابهم عليها شديدا فقال - تعالى -: { فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِم بَآيَاتِ الله وَقَتْلِهِمُ الأنبيآء بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ الله عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلًا } .

والفاء في قوله { فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ } للتفريع على ما تقدم من قوله { وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِّيثَاقًا غَلِيظًا } والباء للسببية ، وما هنا مزيدة لتأكيد نقضهم للميثاق . والجر والمجرور متعلق بمحذف لتذهب نفس السامع في تقديره كل مذهب في التهويل والتشنيع على هؤلاء الناقصين لعهودهم مع الله - تعالى - فيكون المعنى:

فسببب نقض هؤلاء لعهودهم وبسبب كفرهم بآياتنا ، وبسبب قتلهم لأنبيائنا ، وبسبب أقوالهم الكاذبة . بسبب كل ذلك فعلنا بهم ما فعلنا من أنواع العقوبات الشديدة ، وأنزلنا بهم ما أنزلنا من ظلم ومهانة وصغار ومسخ . . . الخ .

ويرى بعضهم أن الجار والمجرور متعلق بقوله - تعالى - بعد ذلك { حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ } . . .

أى: فسبب نقضهم للميثاق . وكفرهم بآيات الله حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم .

قال الفخر الرازى: واعلم أن القول الأول أولى ويدل عليه وجهان:

أحدهما: أن الكلام طويل جدًا من قوله: { فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ } إلى قوله: { فَبِظُلْمٍ مِّنَ الذين هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ } .

الثانى: أن تلك الجنايات المذكورة بعد قوله - تعالى - { فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ } عظيمة جدا . لأن كفرهم بآيات الله ، وقتلهم الأنبياء ، وإنكارهم للتكليف بقولهم: قلوبنا غلف ، أعظم الذنوب ، وذكر الذنوب العظيمة ، إنما يليق أن يفرع عليه العقوبة العظيمة ، وتحريم بعض المأكولات عقوبة خفيفة فلا حسن تعليقه بتلك الجنايات الكبيرة .

(1) - الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - (ج 1 / ص 1571)

(2) - في ظلال القرآن - (ج 1 / ص 113)

(3) - الوسيط لسيد طنطاوي - (ج 1 / ص 1123)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت