وكان الرجل في الجاهلية إذا كان له على إنسان مائة درهم - مثلا - إلى أجل ، فإذا حل الأجل ولم يكن المدين واجدا لذلك المال قال: زدنى في المال حتى أزيد في الأجل ، فربما جعله مائتين ، ثم إذا حل الأجل الثاني فعل مثل ذلك ثم إلى آجال كثيرة ، فيأخذ بسبب تلك المائة أضعافها فهذا هو المراد من قوله { أَضْعَافًا مُّضَاعَفَةً } .
وقد ابتدأ - سبحانه - الآية بالنداء بقوله { يَآ أَيُّهَا الذين آمَنُواْ } لبيان أن أكل الربا ليس من شأن المؤمنين ، وإنما هو من سمات الكافرين والفاسقين .
وإذا كان الكافرون يستكثرون من تعاطى الربا فعلى المؤمنين أن يجتنبوا هذا الفعل القبيح ، وأن يتحروا الحلال في كل أمورهم .
وخصه بالنهى لأنه كان شائعًا في ذلك الوقت ، ولأنه - كما يقول القرطبى - هو الذى أذن فيه بالحرب في قوله - تعالى - { فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ الله وَرَسُولِهِ } والحرب يؤذن بالقتل ، فكأنه يقول لهم: إن لم تتقوا الربا هزمتم وقتلتم .
والمراد من الأكل الأخذ ، وعبر عنه بالأكل لما أنه معظم ما يقصد بهن ولشيوعه في المأكولات مع ما فيه من زيادة التشنيع .
والربا معناه الزيادة ، والمراد بها هنا تلك الزيادة التى كانت تضاف على الدين .
قال الإمام ابن جرير: عن عطاء قال: كانت ثقيف تداين بنى المغيرة في الجاهلية ، فإذا حل الأجل قالوا: نزيدكم وتؤخرون .
وقال ابن زيد: كان أبى - زيد بن ثابت - يقول: إنما كان ربا الجاهلية في التضعيف . يكون للرجل على الرجل دين فيأتيه إذا حل الأجل فيقول له:"تقضينيى أو تزيدنى".
وقوله { أَضْعَافًا } حال من الربا ، وقوله { مُّضَاعَفَةً } صفة له .
والأضعاف جمع ضعف . وضعف الشىء مثلاه ، وأضعافه أمثاله .
وهذا القيد وهو قوله"أضعافا مضاعفة"ليس لتقييد النهى به ، أى ليس النهى عن أكل الربا في هذه الحالة وإباحته في غيرها ، بل هذا القيد لمراعاة الواقع ، ولبيان ما كانوا عليه في الجاهلية من التعامل الفاسد المؤدى إلى استئصال المال ، ولتوبيخ من كان يتعاطى الربا بتلك الصورة البشعة .
وقد حرم الله - تعالى - أصل الربا ومضاعفته ، ونفر منه تنفيرًا شديدًا ، فقال - تعالى - { الذين يَأْكُلُونَ الربا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الذي يَتَخَبَّطُهُ الشيطان مِنَ المس ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قالوا إِنَّمَا البيع مِثْلُ الربا وَأَحَلَّ الله البيع وَحَرَّمَ الربا } وهذا النوع من الربا الذى نهى الله - تعالى - عنه هنا بقوله: { يَآ أَيُّهَا الذين آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ الربا أَضْعَافًا مُّضَاعَفَةً } هو الذى يسمى عند الصحابة والفقهاء بربا النسيئة ، أو ربا الجاهلية وقد حرمه الإسلام تحريمًا قاطعا . فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في خطبة الوداع:"ألا إن الجاهلية موضوع - أي مهدر - وأول ربا أبدأ به ربا عمى العباس بن عبد المطلب".
وقال الإمام أحمد بن حنبل: إن ربا النسيئة يكفر من يجحد تحريمه .
ويقابل هذا النوع من الربا ، ربا البيوع وهو الذى ورد في حديث النبى صلى الله عليه وسلم الذى يقول فيه:"البر بالبر مثلا بمثل يدا بيد ، والذهب بالذهب مثلا بمثل يدا يد والفضة بالفضة مثلا بمثل يدا بيد والشعير بالشعير مثلا بمثل يدا بيد ، والتمر بالتمر مثلا بمثلا يدا بيد ، والملح بالملح مثلا بمثل يدا بيد ، فمن زاد أو استزاد فقد أربى".
وقد اتفق العلماء على أن بيع هذه الأصناف لا بد أن يكون بغير زيادة إذا كانت بمثلها كقمح بقمح ، ولا بد من قبضها . وإذا اختلف الجنس كقمح بشعير جازت الزيادة ، ولا بد من القبض في المجلس ، والتأخير يسمى ربا النساء ، والزيادة المحرمة تسمى ربا الفضل .
وللفقهاء في هذا الموضوع مباحث طويلة فليرجع إليها من شاء في مظانها . ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بأمر المؤمنين بخشيته وتقواه فقال: { واتقوا الله لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } .
أى: واتقوا الله بأن تجعلوا بينكم وبين محارمه ساترا ووقاية ، لعلكم بذلك تنالون الفلاح في الدنيا والآخرة .
ثم حذرهم - سبحانه - من الأعمال التى تفضى بهم إلى النار فقال: { واتقوا النار التي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ } يقول: هى أخوف آية في القرآن ، حيث أوعد الله المؤمنين بالنار المعدة للكافرين إن لم يتقوه في اجتناب محارمه"."
وقال الطاهر بن عاشور (1) :
لولا أن الكلام على يوم أحد لم يكمل، إذ هو سيعاد عند قوله تعالى: {قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ} إلى قوله: {يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ..} [آل عمران: 171] الآية لقلنا إن قوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبا} اقتضاب تشريع، ولكنه متعين لأن نعتبره استطرادا في خلال الحديث عن يوم أحد، ثم لم يظهر وجه المناسبة في وقوعه في هذا الأثناء. قال ابن عطية: ولا أحفظ سببا في ذلك مرويا. وقال الفخر: من الناس من قال: لما أرشد الله المؤمنين إلى الأصلح لهم في أمر الدين والجهاد أتبع ذلك بما يدخل في الأمر والنهي فقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبا} فلا تعلق لها بما قبلها.
وقال الفقهاء: لما أتفق المشركون على جيوشهم أموالا جمعوها من الربا، خيف أن يدعو ذلك المسلمين إلى الإقدام على الربا. وهذه مناسبة مستبعدة. وقال أبن عرفة: لما ذكر اله وعيد الكفار عقبه ببيان أن الوعيد لا يخصهم بل يتناول العصاة، وذكر أحد صور العصيان وهي أكل الربا. وهو في ضعف ما قبله، وعندي مبادئ ذي بدء أن لا حاجة إلى اطراد المناسبة، فإن مدة نزول السورة قابلة لأن تحدث في خلالها حوادث ينزل فيها قرآن فيكون من جملة تلك السورة، كما بيناه في المقدمة الثامنة، فتكون هاته الآية نزلت عقب ما نزل قلها فكتبت هنا ولا تكون بينهما مناسبة إذ هو ملحق إلحاقا بالكلام.
ويتجه أن يسأل سائل عن وجه إعادة النهي عن الربا في هذه السورة بعد ما سبق من آيات سورة البقرة بما هو أوفى مما في هذه السورة، فالجواب: أن الظاهر أن هذه الآية نزلت قبل نزول آية سورة البقرة فكانت هذه تمهيدا لتلك، ولم يكن النهي فيها بالغا ما في سورة البقرة وقد روي أن آية البقرة نزلت بعد أن حرم الله الربا وأن ثقيفا قالوا: كيف ننهى عن الربا، وهو مثل البيع، ويكون وصف الربا {أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً} بمضاعفة نهيا عن الربا الفاحش وسكت عما دون ذلك مما لا يبلغ مبلغ الأضعاف، ثم نزلت الآية التي في سورة البقرة ويحتمل أن يكون بعض المسلمين داين بعضا بالمراباة عقب غزوة أحد فنزل تحريم الربا في مدة نزول قصة تلك الغزوة. وتقدم الكلام على معنى أكل الربا، وعلى معنى الربا، ووجه تحريمه، في سورة البقرة.
وقوله: {أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً} حال من {الربا} والأضعاف جمع ضعف بكسر الضاد وهو معادل في المقدار إذا كان الشيء ومماثلة متلازمين، لا تقول: عندي ضعف درهمك، إذ ليس الأصل عندك، بل يحسن أن تقول: عندي درهمان، وإنما تقول: عندي درهم وضعفه، إذا كان أصل الدرهم عندك، وتقول: لك درهم وضعفه إذا فعلت كذا.
والضعف يطلق على الواحد إذا كان غير معرف بأل نحو ضعفه، فإذا أريد الجمع جيء به بصيغة الجمع كما هنا، وإذا عرف الضعف بأل صح اعتبار العهد واعتبار الجنس، كقوله تعالى: {فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا} [سبأ37] فإن الجزاء أضعاف، كما جاء في الحديث إلى سبعمائة ضعف.
(1) - التحرير والتنوير - (ج 3 / ص 216)