فهرس الكتاب

الصفحة 1056 من 1226

وكنت إلى وقت قريب معرضًا عن الخوض في أحكام هذه الأسهم؛ لأن هناك من يقوم ببيان الحكم الشرعي فيها وله سابق فضل وعلم، كما أن طالب العلم لا يتجرأ على الفتوى مع أن غيره قد كفاه، ولكن ما فتئت هذه المسائل تعرض عليّ فأحيل الجواب على من تصدى لذلك من طلبة العلم، ولكن لاحظت إقبال عدد كبير من الناس على هذه الأسهم بناءً على هذه الفتوى، فلما تملكوا فيها حدث أمران عظيمان أوجبا إشكالًا عند كثير من المتعاملين ممن يتحرى الحلال في ما يكتسب، وهذان الأمران مرتبطان ببعضهما وأحدهما مترتب على الآخر:

الأول: الانهيار الشديد في سوق الأسهم مما ترتب عليه خسارة كثير من أهل الخير ممن شجعتهم تلك الفتاوى على دخول السوق المالي. فأشاروا تلميحًا أحيانًا، وتصريحًا أحيانًا أخرى إلى تلك الفتوى التي دفعتهم وسهلت لهم دخول هذا المجال. وبعضهم أظهر استنكاره الشديد من هذه الفتاوى التي تسببت في خسارته -في ظنه- مما دفعه إلى كيل التهم -في ضمن عدة جهات- إلى هؤلاء المفتين وتلك الفتاوى؛ خصوصًا مع وجود الأمر الثاني: ألا وهو اختلاف الفتوى في نفس الشركة، وانقلابها من الجواز إلى التحريم أو العكس فجعله يتأخر في بيعها حتى قل سعرها، أو يبادر إلى البيع وهي في طور ارتفاع السعر. فإن خسر فيها أوجب عليه ذلك إمساك أسهم هذه الشركة مع علمه بتحريمها بناءً على هذه الفتوى وإن لاح له المكسب فيها اضطر لبيعها قبل تحققه؛ خشية الوقوع في المحرم.

ولما سبق فقد رأيت -ولله الأمر من قبل ومن بعد- أن أكتب في هذه المسألة رأيي القاصر إبراءً للذمة ونصحًا للأمة وخروجًا من العهدة -خاصة مع تعلق حكم هذه المسألة بأحد الضروريات الخمس وهو المال- فإن كان صوابًا فمن الله وإن كان خطأ فمن نفسي والشيطان والله ورسوله منه بريئان وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب. وبيان هذه المسألة يكون بأمور:

أولًا: يجب على المسلم ألا يتساهل فيما يكتسب وليعلم أنه مسؤول عن هذا المال؛ من أين اكتسبه؟ وفيما أنفقه؟ لما جاء في حديث معاذ رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع..."وذكر منها:"وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه"رواه الترمذي وحسنه. كما أن أكل المال الحرام من المسائل الخطيرة والعياذ بالله التي ورد بشأنها الوعيد الشديد. روى الإمام أحمد (13919) بسند حسن عن جابر بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لكعب بن عجرة:"يا كعب بن عجرة إنه لا يدخل الجنة لحم نبت من سحت؛ النار أولى به. يا كعب بن عجرة الناس غاديان فمبتاع نفسه فمعتقها وبائع نفسه فموبقها". وهذا وعيد عظيم لمن تهاون في أكل المال الحرام فعلم من هذا أن على المسلم أن يراعي الله جل وعلا في هذا المال، وألا يتبع في كسبه هواه، بل يطلب الحق في تحليله وتحريمه، ولا يكن كالذي يبحث لنفسه غطاءً من زلة عالم أو خطأ مجتهد لأجل اكتسابه من غير حله.

ثانيًا: علينا أن نعلم أن الحق في كل مسألة واحد لا يتعدد باتفاق أهل العلم -ممن يعتد بخلافه- كما علينا أن نعلم أن البشر خلقهم الله تعالى مختلفين في ألوانهم وأجسامهم ولغاتهم وتفكيرهم وعقولهم والاختلاف فيهم حاصل وهذا واقع لا مفر منه قال تعالى:"ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم"ولكن لا بد أن نعتقد بالضرورة -مع هذا- أن الحق مع أحد هؤلاء المختلفين علمه من علمه، وجهله من جهله. وإذًا لا يجوز أن تكون أقوالهم كلها حق، ولا يجوز أيضًا أن يخلو قول أحدهم من الحق إذ لا بد لكل عصر من قائم الله بالحجة. وأقرب الناس إلى الحق أقربهم إلى الكتاب والسنة وفهم السلف رضوان الله عليهم وأعملهم بالدليل الصحيح وليس العبرة في تمييز الحق كثرة العاملين أو القائلين بالقول أو قلتهم. يقول الفضيل بن عياض رحمه الله:"لا يغرك من الحق قلة السالكين ولا من الباطل كثرة الهالكين". وذلك لأن بعض الناس يعتبر الحق بفعل الأكثرية فيقول أكثرهم فعل كذا وأغلبهم عمل بكذا وهذا غير صحيح. فالعبد يسأل عن عمله ولا يسأل عن عمل غيره. فإذا تساهل المستفتي في طلب الحق كان عليه من الإثم بقدر تساهله.

ثالثًا: أن معنى السهم اصطلاحًا هو: جزء مشع من شركة تضم أعيانًا ونقدًا وعملًا أو بعضها؛ على الراجح من أقوال الفقهاء المعاصرين. وبناءً عليه يكون التملك في أي سهم من هذه الأسهم يعني أن يكون للمالك حصة مشاعة في جميع أعيان ونقود وأعمال وودائع الشركة المساهم بها.

رابعًا: أن الحكم على سهم شركة ما أنه نقي أو غير نقي لأجل تحديد جواز شراء أسهمها من عدمه مبدأ لا يصح من وجوه:

الأول: أن الشركة قد تقترض أموالًا طائلة بالربا فتبني بها أصولًا تجارية لها؛ كمصانعها ومنشآتها خلال سنين ماضية من عمرها إلا أنها قد تمر عليها سنة -أو ربع سنة- مالية لا تحتاج فيها إلى الاقتراض وبناء عليه تصدر قوائمها المالية الربع سنوية خالية من الاقتراض المحرم فهل يصح أن يطلق على هذه الشركة نقية لمجرد أنها لم تحتج إلى الاقتراض في ربع السنة الذي أصدرت فيه قوائمها المالية؟

الثاني: أنها قد تحصل على فوائد ربوية من ودائع مالية ثم تضخها في أرباح الشركة ثم بعد ذلك تضخ هذه الأرباح في رأس مال الشركة لتؤسس منشآت أو لتطوير عمل الشركة ونحوه وذلك خلال سنين من عمر الشركة، إلا أنها قد تمر عليها سنة مالية أو ربع سنة لا يوجد لديها ودائع مالية ذات فوائد فكيف يقال إن هذه الشركة نقية؟

الثالث: أن السهم المشترى هو عين تمثل حصة مشاعة من الشركة -كما سبق- ولا يصح اعتبار السهم يمثل فترة سنة واحدة أو ربع سنة، بل هو يمثل هذه الحصة لجميع أعمال وموجودات وأصول وودائع الشركة منذ تأسيسها وحتى وقت الشراء، وذلك لأن الإنسان إذا اشترى عينًا فلا يصح اعتبار هذا الشراء مخصوصًا بوقت، بل هو شامل للعين المباعة بعمرها الماضي ولهذا لو اشترى دابة أو دارا فبات مستحقة في أي وقت سابق للشراء فللمشتري ردها بهذا العيب. (انظر المغني4/319-320) فلو كان الشراء يمثل فترة معينة لم يكن للمشتري ردها بهذا العيب. وهذه مسألة من أوضح الواضحات لا تحتاج لمزيد بيان، وبناء عليه فإطلاق وصف النقاوة على الشركة لمجرد أن قوائمها المالية الربع سنوية خلت من تعاملات محرمة غير صحيح؛ لأن هذا الوصف لو صح فهو ينطبق على فترة من عمر الشركة، ولا ينطبق على الشركة ككل.

الرابع: أن عمل التاجر قد لا يخلو من الشبهة أحيانًا ومن المحرم أحيانًا أخرى بقصد أو بغير قصد وهذا يتعارض مع لفظ النقاوة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت