فهرس الكتاب

الصفحة 1041 من 1226

ومن المعلوم أن أكبر المؤسسات المالية لدينا وهي (شركة الراجحي المصرفية للاستثمار) هي أعلى الشركات سعرًا في الأسهم، وهي أقل الشركات ديونًا غير ممكنة التحصيل، بعكس بعض البنوك التي لاتزال تتعامل بالفائدة غير المشروعة (الربا) والتي بلغت ديونها الشكوك في تحصيلها نسبة مؤثرة مقارنة بموجوداتها المالية. ولا نجد فرقًا بين الشركة وهذه البنوك سوى التزام الشركة بالبعد عن الربا في تعاملاتها. وهذا يؤكد الأهمية الكبيرة للالتزام الشرعي.

وإن مما يشجع البنوك والشركات ويحفزها على التوجه نحو الالتزام بالضوابط الشرعية - وضع هيئة رقابة شرعية لسوق المال تفتي في تعاملات الشركات والمؤسسات المالية حتى تتلافى اختلاف الفتوى وتعدّد الفتاوى حول بعض الشركات؛ لأن ارتفاع أسهم شركة ما يرتبط بكثرة الإقبال عليه، ومن أسباب ذلك الفتوى بحل ذلك السهم، و من الطبيعي أن يكون أعضاء هذه الهيئة المقترحة هم ممن يجمع بين العلم الشرعي وفهم حقيقة التعاملات المالية المعاصرة أمثال أساتذة الاقتصاد الإسلامي في بعض جامعاتنا السعودية.

إلاّ أن البعض يرى أن مثل هذه الخطوة في رأيه تلحق ضررًا بالاقتصاد الوطني لكونها ستحدث تمييزًا بين الشركات، وستؤدي إلى انهيار أسهم بنوك وشركات كثيرة.

وهذا قد يكون له نصيب من الصحة، غير أن العلاج يكمن بمسارعة هذه الشركات لترك القروض الربوية، وإعلان التزامها مستقبلًا بالمعاملات المشروعة. وأنها لن تقترض بطريق الفائدة الربوية المحرمة.

إن معظم المخالفات في الشركات المساهمة تكمن في القروض الربوية.

ومع وجود بديل مشروع جيد وعملي وناجح، بديل للقرض الربوي فلا معنى للإصرار بعد ذلك على القروض الربوية المحرمة.

وإن وجود عدد من الفقهاء المتخصصين بالمعاملات المالية المعاصرة ممن عُرفوا بالاحتياط والدقة في تشخيص أحوال الشركات يشجع على إقامة لجنة فتيا متخصصة في هذا الجانب، وحبذا لو ضُمّت إلى لجنة الإفتاء الرسمية؛ إذ لا يوجد -حسب الظاهر- فيها من يجمع بين التخصص الفقهي والاقتصادي، وتكون مثل هذه اللجنة حلًا لتعدد الفتاوى في موضوع الأسهم؛ لأن موضوع الفتوى في الأسهم ضرورة شرعية دينية، وهي مطلب لكل مسلم حريص على سلامة أمواله من الربا والشبهات، وليست ترفًا أو مجرد مطلب لأفراد، وإذا لم يحدث ذلك فلا معنى لما تبنته إحدى الصحف المحلية من دعوة إلى الحجر على المختصين الجامعيين بين العلم بالمعاملات المعاصرة والعلم الشرعي، وعدم السماح لهم بالفتوى بحجة أن ذلك يحدث بلبلة واضطرابًا في سوق الأسهم، ولأنهم ليسوا من الهيئة الرسمية للفتوى، فهذه دعوة في غير محلها؛ لأن مثل هؤلاء محل ثقة كثير من الناس؛ لإدراكهم أن هؤلاء يعرفون حقيقة الشركات وأوضاعها ويستطيعون -بحكم اختصاصهم- دراسة قوائم الشركات المالية ومعرفة ثغراتها وإشكالاتها. وهم بحكم الاختصاص يعرفون أكثر مما يعرفه بعض الفقهاء غير المختصين بدراسة الاقتصاد، ومن ثم فإن الدعوة لمنع هؤلاء من الفتوى دعوة خطيرة لا محل لها، وهي مصادرة لحقهم وحقوق الآخرين ممن يحرصون على معرفة رأيهم والأخذ بفتواهم.

وإن ما يراه بعض الكتاب من تأثير سلبي للفتوى على سوق الأسهم ينطلق من رؤية مادية مجردة لا تلتفت للتأثير الأعظم للربا ومشكلاته على الوضع الاقتصادي الدولي، وعلى الفرد نفسه؛ لأن المسلم يتيقن قول الحق تبارك وتعالى (يمحق الله الربا ويربي الصدقات) وثم مؤثرات سلبية كثيرة على سوق الأسهم لا يستطيع أحد منعها، وهي الإشاعات، وما يُكتب في بعض مواقع الإنترنت. فكيف نترك واجبًا شرعيًا لأجل أهواء النفوس وشهواتها؟!

البنوك الإسلامية .. ما الفرق؟

جبريل محمد 7/5/1427

لا شك أن صناعة الخدمات المالية الإسلامية التي انطلقت أواسط السبعينيات من القرن الماضي (1975) حققت إنجازات كبيرة، وأفرزت تجارب وكيانات متفرعة أصبح لها اليوم الشأن الكبير والمساهمة الفاعلة في تطوير الصناعة؛ إذ بلغ إجمالي أصول الصناعة المالية الإسلامية في الخليج العربي (84.152) مليار دولار في العام 2005، بنسبة نمو 34.8%عن العام السابق، وهذه أعلى نسبة نمو مسجلة في دول الخليج خلال الفترة من 2001 إلى 2005؛ إذ بلغ متوسط معدل النمو السنوي في هذه الفترة 21.5%.

وهنا يتبادر إلى الأذهان سؤال مهم، هو: هل هناك فروق بين البنوك الإسلامية والبنوك التقليدية؟

بالطبع هناك فروق جوهرية بين البنوك الإسلامية والبنوك التقليدية، فتتمثل أساسًا في حقيقة أن البنوك التقليدية تقوم على آلية سعر الفائدة من خلال الاقتراض من المودعين بفائدة ما، ثم إقراضها آخرين بفائدة أعلى من الفائدة الأولى، ويتمثل ربحها في الفرق بين الفائدة المدينة والدائنة، وهذا هو ربا الجاهلية ربا العباس بن عبد المطلب الذي وضعه النبي -صلى الله عليه وسلم- في حجة الوداع تحت قدمه، كما أن هذه البنوك تتاجر في النقود كسلعة، وتحصل على فائدة مقابل الزمن، ومن ثم تقوم على فكرة أن النقود تلد في حد ذاتها نقودًا، وهذا يختلف جذريًا عن طبيعة عمل البنوك الإسلامية التي تقوم على نظام المشاركة في الربح والخسارة، وعلى حرمة الربا، وعلى الاستثمار الحقيقي وفقًا لصيغ الاستثمار الإسلامي، والمتمثلة في عقود الشركة وعقود البيوع، ومن عقود الشركة عقد المضاربة الشرعي، وهو عقد يجمع في تزاوج بنّاء بين المال والعمل، وهو عقد يقوم على المخاطرة بالنسبة لرب المال؛ إذ يتحمل أي خسارة تقع، وبالنسبة للعامل فيناله جزء من الخسارة، ومن ثم يحق للطرفين أن يحصلا على نصيبيهما النسبيين اللذين اتفقا عليهما في بداية تنفيذ هذا العقد، ومن ثم يختلف جذريًا عقد المضاربة عن أي قرض للبنوك التقليدية، فهنا البنك التقليدي مقرض والمستثمر أو المقرض مقترض وضامن للمال المقترض؛ بالإضافة إلى فائدة ربوية، ولا يمكن أن يكون ذلك عقد مضاربة شرعي، كما أن البنك الإسلامي يستخدم عقود البيوع، وعلى رأسها بيع المرابحة، وبيع المرابحة بيع أمانة يتعين على البنك أن يمتلك البضاعة محل البيع حكمًا أو فعلًا، ثم يتصل بالعميل الآمر بالشراء والراغب في الشراء، ويسمي له ثمن شراء البنك للبضاعة والربح الذي يطلبه البنك، فإذا قبل العميل الثمن مرابحة تم عقد المرابحة شرعًا، وهذا يختلف جذريًا عن التمويل الربوي لعميل البنك التقليدي؛ إذ يعطي البنك التقليدي قرضًا لعميله بفائدة، ولا يهمه أساسًا شكل تصرف العميل في هذا القرض، صحيح أن العميل يطلب القرض على أساس تمويل مشروع معين، وقد يدرس البنك التقليدي هذا المشروع ضمانًا لقرضه، لكنه ليس عقد مرابحة شرعي، وإنما قرض بفائدة ربوية، كسب العميل أو خسر فلابد أن يدفع أصل القرض والفائدة عليه، ومن ثم لا يمكن القول إن البنوك الإسلامية مجرد مسميات لإضفاء الصبغة الشرعية على معاملاتها؛ فهي حقيقة بنوك تعمل على تطبيق منهج الإسلام في المعاملات المالية.

البنوك الإسلامية..فوائد كثيرة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت