كسب المال ليس مقصودًا في ذاته ولكنه وسيلة للاستعانة به على طاعة الله، فإذا لم يكن حلالًا يستعان به على طاعة الله فهو بؤس وشقاء قال تعالى: (( وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا ) )وفي الحديث في مسند الإمام أحمد رحمه الله:"وإن الله يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب ولا يعطي الدين إلا من أحب فمن أعطاه الله الدين فقد أحبه، والذي نفس محمد بيده لا يسلم عبد حتى يسلم قلبه ولسانه ولا يؤمن حتى يأمن جاره بوائقه، قالوا: وما بوائقه يا رسول الله. قال غشمه وظلمه، ولا يكسب عبد مالًا من حرام فينفق منه فيبارك له فيه ولا يتصدق به فيقبل منه، ولا يتركه خلف ظهره إلا كان زاده إلى النار، إن الله لا يمحو السيء بالسيء ولكن يمحو السيء بالحسن، إن الخبيث لا يمحو الخبيث"ومن ثم حذر صلى الله عليه وسلم من أن يصبح المال غاية يتعلق به قلب المسلم فقال"تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم ...."والتعاسة هي الشقاء والبؤس وذلك حين يصبح هم الإنسان جمع المال وتكثيره بأي وسيلة دون حذر من الشبهات .
الربا من أشد ما حرم الله سبحانه في المعاملات بل هو أعظمها إثمًا فلم يتوعد الله بالحرب في آية من كتابه كما في آية الربا في قوله تعالى:"فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله"ومن ثم فقد حذر السلف رحمهم الله من الربا وما يتبعه من الحيل الربوية فالأصل في المجتمع المسلم ترك الربا بأنواعه وأشكاله وكل ما يتوصل به إليه فلا يليق بأمة الإسلام أن تأخذ بالنظام الرأسمالي المبني على الربا والقمار فهذا نوع من الإعراض عن شرع الله ودينه ويجب على المسلمين أن يتعاونوا على ترك الربا بكل أشكاله وحيله وإلا وقعوا في الإثم لا محالة. ولو نظرنا إلى سوق الأسهم أو بمفهومه الواسع"سوق الأوراق المالية لرأينا أنه في أصله نموذج غربي قائم على مفهوم الربا والقمار والحيل الربوية فالأصل فيه الشبهة حتى يتأكد المسلم خلوه من هذه المحرمات ومن ثم نجد أنه مرتبط لديهم بسعر الفائدة وغالب الشركات المسجلة فيه تعتمد في تمويلها على الربا والسندات المحرمة فلا يجوز بأي حال أن نستورده على حالته التي هي عليها دون تمحيص وتنقية له من شوائبه لأن ذلك سيؤدي إلى تجاوزات لا نهاية لها. ولقد عجبت كثيرًا ممن أجاز تدوال أسهم الشركات المختلطة التي تقترض جزءًا من تمويلها بالطرق الربوية وإن كان من أجاز ذلك قد وضع ضوابط ولكن كيف غاب عنه هذا التحذير الشديد والزجر العظيم من الله سبحانه لمن يتعامل بالربا قليلًا كان أو كثيرًا بكل أشكاله وأصنافه وذلك في قوله تعالى:"يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين. فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله"وإن كنت لا أشك في صلاح نيتهم وقصدهم ولكن لا يجوز بحال أن يصل بنا الضعف والهزيمة إلى اللجؤ لفتح هذا الباب فالنظام الربوي سواء في بنوكه أو شركاته الربوية هو عار ومذلة على جبين المسلمين ونشاز في المجتمع الإسلامي فالواجب على أفراد الأمة المسلمة جمعيًا الحزم في هذا الأمر والا يترك بحال مطلقًا بدعم أو تبرير أي تعامل ربوي قل أو كثر. ولو أن المسلمين قاموا بدورهم في الإحتساب على البنوك الربوية لما أصبح النظام الإقتصادي في أغلب بلاد المسلمين قائمًا على الربا فالبنوك إنما تقوم على ودائع الأفراد فلو كان هناك وعي وعزم وتعاون على القيام بالواجب لأغلقت هذه البنوك الربوية أبوابها من زمن طويل ولعل من أسباب ما هو واقع بالأمة المسلمة من ذل وهوان وتسلط للأعداء ومشاكل اقتصادية وسياسية في معظم دول عالمنا الإسلامي هو قيام واستمرار هذه البنوك الربوية التي تجلب معها غضب الرحمن ونزول حربه الذي لا قدرة للأمة على مواجهة هذه الحرب ولكن الأمل لا يزال قويًا في هذه الأمة التي لا يعدم الخير فيها فخطوات إنشاء البنوك الإسلامية أثبتت قدرتها على البقاء والاستمرار ولكنها لا تزال بحاجة إلى دعم من حكومات وشعوب العالم الإسلامي حتى يتحول النظام الاقتصادي بكامله من نظام ربوي إلى نظام إسلامي لئلا تبقى البنوك الإسلامية وغيرها من المؤسسات التمويلية تعيش حالة من الشللية والضعف لأنها تحت سيطرة بنوك مركزية ربوية تؤمن بالفائدة معيارًا لرقابتها على البنوك الأخرى ."
الأمة الإسلامية أمة ذات استقلالية فلها شخصيتها ومنهجها المميز ونظامها الشامل فليست بحاجة إلى استيراد أنظمة سياسية أو اقتصادية أو ثقافية أو اجتماعية من الأمم الكافرة فلديها ما يغنيها ويسعدها لو استمسكت بشرع الله وأخذت الكتاب بقوة، ومع هذا أقول فإذا احتاجت الأمة المسلمة إلى شيء من هذه الأنظمة التي ربما سبقتها بعض الأمم الكافرة إليها فيجب عليها وزنها بميزان الشريعة وعرضها أولًا على علماء الشريعة الربانيين لتهذيبها وتصفيتها من الشوائب المحرمة التي تخالف شريعة الله والتفكير الجاد والإبداع لإيجاد بدائل أفضل وأحسن بعد دراسة وتمحيص والأمة بحمد الله فيها من الطاقات والإمكانات والقدرات البشرية والمادية ما يمكنها من ذلك. أما أن تبقى أمة استهلاك وتبعية تستورد ما في الغرب وتلبسه ثوب الإسلام أو تعطيه تأشيرة إسلامية ليكون ثوبًا مرقعًا يورد الأمة المهالك وينزع هويتها ويفقدها عزتها وقوتها ومكانتها لتبقى أمة ذليلة تابعة للأمم الكافرة ومن ثم ينعكس ذلك على شعوبها فتعيش هزيمة نفسية منكرة فلا إبداع ولا تفكير ولا بناء فهذا هو عين التخلف والهزيمة.
بعد هذه المقدمات أعود للحديث عن سوق الأسهم وكما قلت فهو نموذج غربي مبني على فلسفة الاقتصاد الرأسمالي الذي يعتمد أساسًا على الربا بأشكاله المختلفة ويخالطه القمار والاحتكار ( فقد أكد بعض خبراء البورصات الغربية على اعتبار المضاربة على الأسعار بمفهومها الغربي"القمار"أحد الوظائف الهامة للبورصة ) فالأصل فيه أنه سوق شبهات محرمة لا بد للمسلمين أن يجردوه من الشوائب المحرمة قبل ولوجه واستيراده وهو وإن كان قائمًا على تحقيق منافع اقتصادية، إلا أن هذه المنافع يمكن تحقيقها بدون ما يحتوي عليه من مفاسد، ولعل من أهم وظائفه أنه يعد أحد الآليات الهامة في تجميع مدخرات الأفراد وتوجيهها إلى المشاريع ذات الإنتاجية الكبيرة سواء منها ما كان في مرحلة التكوين أو تلك القائمة والراغبة في التوسع والتطوير ( السوق الأولية ) . أما السوق الثانوية فإنها تساعد على استمرار هذه المشاريع بما توفر من سوق لبيع وشراء حقوق المساهمين دون تأثير على أصل الثروة المتمثلة في أصول المشروع.