وإذا كانت البنوك قد فتحت أبوابها للمساهمين والمضاربين، فليس معنى ذلك جواز التعامل بأسهم البنوك، فإن رؤوس أموالها ربوية، وهناك فرق بين شراء أسهم البنوك، والشركات الربوية، واستخدام غرف وشاشات البنوك في التعامل، فإن هذه الغرف والشاشات وسائل للتداول لا علاقة لها بنوع المال أو التجارة .
ولكن على المؤمن الابتعاد عن الشبهات خصوصًا في حال شيوع الحرام، قال صلى الله عليه وسلّم"من يأخذ مالًا بحقه يبارك له فيه، ومن يأخذ مالًا بغير حقه، فمثله مثل الذي يأكل ولا يشبع"رواه مسلم عن أبي سعيد رضي الله عنه .
وعلى المسلم مراعاة الضوابط الشرعية للمعاملات والمساهمات التي تصدرها المجامع الفقهية، واللجان الشرعية في البنوك.
ولما جاء الإسلام أغلق بعض أبواب التجارة لما فيها من الحرام، وإن كان فيها نفعٌ وأرباح، فقال سبحانه في الخمر والميسر"فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما" [البقرة:219] وقال في تشغيل النساء في الفتنة أول الإسلام"ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصُّنًا لتبتغوا عرَض الحياة الدنيا" [النور: 33]
فأغلق بعض الأبواب الضارة بالدين، وإن كانت نافعة في الدنيا .
ثالثًا: عواقب أكل الحرام:
في الدنيا: الاكتئاب، والقلق، والضيق، والأمراض النفسية، والاجتماعية .
وفي الآخرة، قال صلى الله عليه وسلّم"لا يدخل الجنة لحم ولا دم نبت من سحت، النار أولى به"رواه الطبراني ورجاله ثقات عن كعب بن عجرة رضي الله عنه، ورواه أحمد عن جابر رضي الله عنه ورجاله رجال الصحيح .
فعلى المؤمن أن يتقي الله تعالى، ولا يعرض نفسه وأهله لأكل الحرام والشبهة، فإن الدعاء مقرون بأكل الحلال، قال صلى الله عليه وسلّم يا سعد، أطب مطعمك تكن مجاب الدعوة رواه الطبراني بإسناد فيه نظر .
رابعًا: الرزق من الله تعالى لا من الناس:
لذا فإن المؤمن يسأل الله تعالى لا الناس"إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين"
]الذاريات: 58[
ويدعو الله تعالى بالسعة في الرزق، وكان صلى الله عليه وسلّم يقول"اللهم ارزقني واهدني"، وكان يقول"اللهم اجعل أوسع رزقك عليّ عند كبر سني، وانقطاع عمري"رواه الطبراني في الأوسط عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها بسند جيد .
ومن أفضل الأدعية في كسب الرزق المداومة على الدعاء بقول"اللهم اكفني بحلالك عن حرامك، وأغنني بفضلك عمن سواك"
وبالتالي لا يجزع إذا أصيب في ماله، لأنه من الله تعالى، ولا يبطر إذا وسِّع عليه، قال سبحانه في قصة قارون"لا تفرح إن الله لا يحب الفرحين" [القصص: 76] وقال سبحانه"لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم" [الحديد: 23] .
خامسًا: يجب أن لا تشغل التجارة عن ذكر الله تعالى، قال سبحانه"رجالٌ لا تلهيهم تجارةٌ ولا بيعٌ عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون يومًا تتقلب فيه القلوب والأبصار"]النور:37[
ولذا قال سبحانه:"يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون"]الجمعة: 9[ وفي غير يوم الجمعة كذلك .
ونحن نعلم أن الحفاظ على المال من الضرورات الخمس، ولكنه بعد الحفاظ على الدين، والنفس، فهو وسيلة لإقامة الدين، لا غاية لذاته، لذا فقد يكون نقمةً في بعض الأحيان، كالمال غير المزكَّى، وهو الكنز .
فيا جامِعَ الدُّنيا لِغَيرِ بَلاَغِهِ … …
سَتَتْرُكُهَا فانظُرْ لِمَنْ أنْتَ جَامِع
وَكم قد رأينا الجامِعينَ قدَ اصْبَحَتْ … …
لهم، بينَ أطباقِ التّرابِ مَضاجع
إذا ضَنّ مَنْ تَرْجو عَلَيكَ بنَفْعِهِ، … …
فذَرْهُ، فإنّ الرّزْقَ، في الأرْضِ، واسعُ
وَمَنْ كانَتِ الدّنْيا هَواهُ وهَمَّهُ، … …
سبَتْهُ المُنَى واستعبدَتْهُ المَطَامِعُ
وَمَنْ عَقَلَ استَحيا، وَأكرَمَ نَفسَه، … …
ومَنْ قَنِعَ استغْنَى فَهَلْ أنْتَ قَانِعُ
لِكلِّ امرِىء ٍ رأْيَانِ رَأْيٌ يَكُفّهُ … …
عنِ الشّيءِ، أحيانًا، وَرَأيٌ يُنازِعُ
سادسًا: الصدقة تطهر المال من الشبهات:
قال سبحانه"خذ من أموالهم صدقةً تطهرهم وتزكيهم بها"]التوبة:103[
وقال عز وجل يقصّ قصة أصحاب البستان"إنا بلوناهم كما بلونا أصحاب الجنة إذ أقسموا ليصرمنها مصبحين ولا يستثنون* فطاف عليها طائف من ربك وهم نائمون * فأصبحت كالصريم"]القلم:17-20[ وذلك بسبب أنهم تعهدوا ألا يدخلنها عليهم مسكين، فمنعوا الصدقة، فاحترقت المزرعة .
وقال صلى الله عليه وسلّم"ما نقص مال من صدقة"رواه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه .
وقال صلى الله عليه وسلّم"يا معشر التجار، إن البيع يحضره اللغو والحلف، فشُوبوه بالصدقة"رواه أصحاب السنن وصححه الترمذي عن قيس بن أبي غرزة رضي الله عنه .
وكان عثمان رضي الله عنه يتصدق كثيرًا، مع تورُّعه في تجارته، وجاءت تجارة له يومًا، فقال: من يساومني عليها، فأعطي 100% فلم يرضَ، فزيد، فلم يرضَ، حتى قال: إني أعطيت فيها 1000 % ربحًا، فتعجبوا، وقالوا: نحن تجار المدينة، ولم يسبقنا أحدٌ إليك.فمن أعطاك ؟ فقال: الله أعطاني.فتصدق بها لوجه الله تعالى .
فالبركة تلتمس بالصدقة، وأكل الحلال.وهذا أمر مجرَّب بحمد الله .
سابعًا: تحريم الإشاعات والأكاذيب ونشرها:
فإن إضرار المسلمين حرام، قال صلى الله عليه وسلّم"لا ضرر ولا ضرار"، وقال"لا تحاسدوا"
والكلمة أمانة، قال سبحانه"إنَّ السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤلًا"] الإسراء:36[
فلا يجوز الكذب في نقل أسعار الأسهم، والافتراء على الأشخاص، وربما حلف بعضهم كاذبًا في مواقع الانترنت، ومنتديات الأسهم، وهذا يمينٌ غموس يغمس صاحبه في النار - عياذًا بالله -، قال صلى الله عليه وسلّم"من حلف على يمين كاذبة ليقتطع بها مال أحد، لقي الله وهو عليه غضبان"رواه أحمد والنسائي عن عدي بن عميرة رضي الله عنه.وهو في الصحيحين بنحوه عن ابن مسعود رضي الله عنه .
وربما عدّ بعضهم ذلك شطارة , وذكاء، وهو لا يعلم أنه يوقع إخوانه المسلمين في الحرج، والخسارة، وربما قال: لم أجبر أحدًا على الشراء والبيع، ولكن أليس هو من أراد الناس أن يثقوا به، فكان عند سوء ظنهم، وأصبح غير محل ثقة .
ثامنًا: الغيب لا يعلمه إلا الله، قال سبحانه:"قل لا يعلم من في السموات والأرض الغيب إلا الله"] النمل:65[ .
فلا يجوز الحكم بالغيب في الأسعار، وما يسمى بالتنبؤات، أو الاعتماد على الرؤى، أو الاعتماد على الطالع والحظّ، ونشر الإشاعات على ضوئها .
تاسعًا: الأمانة في المال، والنصيحة للمسلمين:
تبيين عيب الأسهم وحالها الصحيح، فلا يبيع على أحد شيئًا يعلم أنه خاسر، ويوهمه أنه رابح، فإن هذا غش، وقد قال صلى الله عليه وسلّم"الدين النصيحة"وقال"من غشّ فليس منا"رواهما مسلم في صحيحه .
وقال صلى الله عليه وسلم"لا يحل لأحد يبيع شيئًا إلا بيَّن ما فيه، ولا يحل لمن علم ذلك إلا بيَّنه"رواه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي عن واثلة بن الأسقع رضي الله عنه .
وقال صلى الله عليه وسلّم"البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، فإذا صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما، وإن كتما وكذبا محقت بركة بيعهما"متفق عليه عن حكيم بن حزام رضي الله عنه .
ونهى صلى الله عليه وسلّم عن تلقي الركبان.متفق عليه عن أبي هريرة رضي الله عنه .
لأنه يؤدي إلى غبن البائع، فإن كان لا بدّ فالسكوت .
عاشرًا: اتقاء الله تعالى في أموال الناس من قبل الوكلاء والوسطاء:
وحفظ حقوق الناس، وعدم طلب الربح الفاحش بالسمسرة .