باطنها، كما كان قبل يرسب في الماء والهواء المرفوع؛ إذ شابه أحكام الرفعة في
حال الحياة الدنيا احتمله الماء فمشى عليه، وقد يرفع أن يحتمله في الهواء فيمشي
فيه.
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"كان عيسى يمشي في الماء ولو ازداد يقينًا لمشى في"
الهواء"."
فلقد رفعه الله - جلَّ جلالُه - وتعالى علاؤه وشأنه، فهو الآن يمثي في الهواء، وأمشى - جلَّ جلالُه -
رسوله محمدًا - صلى الله عليه وسلم - ليلة الإسراء في الهواء (ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ(21) .
والإسراء على ذلك أيضًا، وقرينه النوم، والنائم يبسط حقيقة على ما شاء أن
يريه، ويشهده إياه وهو مقيم في موضعه الذي نام فيه.
والإسراء الأعلى: هو أن يلحق ثقيله بخفيفه ويُسار به، فلا تعجزه مسافة بعدت
ولا صعود، وإن علا المرتقى ولا سفل، وإن عرب الهواء، وربما كان من
عجائب الله - جلَّ جلالُه - في ذلك ألا يفقد في مكانه، ولا يعدم شخصه في مستقره، وهو في
ذلك في الوجود كالملك - عليه السلام - إنه ليكون في مصافه الذي جعله الله فيه، وينزل إلى
الأرض بالرسالة من عند ربه - عز وجل - ، أو ما يكون من أمره.
وأدنى الإسراء: أن يكون رؤيا رفعة، وكالنوم المستثقل جدًّا.
والموت: هو أن يفصل بين الخفيف فيطير عنه، والثقيل منه يثبت في المكان.
والذي قتلته اليهود وصلبته وما شُبِّه به عليهم، فظنوا أنه هو وليس به، هذا خبر
من الله - جلَّ جلالُه - صدق وقول حق (وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا(122) .
وما ذكر أن عيسى - عليه السَّلام - وافق بعض أصحابه على أن يجعل عليه شَبهه فيُقتل
مكانه، فخبر الله أعلم بحقيقته، ولو كان المقتول [عدوًّا] لهم، فكأن يكون لهم بذلك
بعض الشفاء وفوز بعض الظفر، وكان يعدم - صلى الله عليه - من أصحابه الذي
أوقع شبهه عليه.
وقد جاء في الكتاب الذي يذكر أنه الإنجيل أنه قال لأصحابه - صلوات الله
وسلامه عليه قبل أن يرفع:"الآن أذهب إلى الذي بعثني، وليس فيكم من يسألني"
حين أذهب"وهذا يدل من كتابهم أن ذهابه عن أصحابه بغير علم منهم، ولأجل"