ولا يجوز أن تعود الكناية إلى الطين؛ لأن النفخ إنَّما يكون في طِينٍ مخصوص، وهو: ما كان مُهَيَّأ منه، والطينُ المتقدِّمُ ذكرهُ، عامٌ، فلا تعود إليه الكناية؛ ألا ترى أنه لا يَنْفخ في جميع الطِّينِ؟. ويجوز أن تعود الكناية على ذي الهيئة. وأريد بـ (الهيئة) : ذو الهيئة، كما أريد بـ (القسمة) : المقسوم، في قوله: {وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ} [النساء: 8] لأنه قال: {فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ} .
كذلك أراد بـ (الهيئة) : المُهيَّأ، وذا الهيئة.
و يجوز أن تعود الكناية إلى ما وقعت الدلالة عليه في اللفظ، وهو: أنَّ (يَخْلُق) يدل على الخَلْقِ، فيكون قوله: {فَأَنْفُخُ فِيهِ} ؛ أي: في الخَلْقِ، ويكون الخلق بمنزلة المخلوق.
ويجوز أن تعود إلى ما دلَّ عليه الكافُ من معنى المِثْل؛ لأن المعنى: أخلق من الطين مِثْلَ هيئة الطير، ويكون الكافُ في موضع نصب على أنه صفة للمصدر المُرادِ، تقديره: (أنِّي أخلق لكم من الطينِ خَلْقاً مثلَ هيئةِ الطَّيْرِ) . وهذه الوجوه ذكرها أبو علي الفارسي.
وقوله تعالى: {فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ} وقرأ نافع: {طائراً} ،
على معنى: يكون ما أنفخ فيه طائراً، أو ما أخلُقُهُ طائراً، أو أراد أن يكون كلَّ واحد من ذلك طائراً، كما قال تعالى: {فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً} [النور: 4] أي: كلَّ واحد منهم.
وقال بعضهم: ذهب نافع إلى نوع واحد من الطير؛ لأنه لم يَخْلُق غير الخَفَّاش. وإنَّما خصَّ الخفَّاش؛ لأنه أكمل الطير خَلْقاً. وقد زدنا بيانا على هذا في سورة المائدة.
قال وَهْبٌ: كان يطير ما دامَ الناسُ ينظرون، فإذا غاب عن أعينهم سقط ميتا.
قوله تعالى: {وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ} . قال الأصمعي: بَرِئْتُ من المرض: لغةُ تميم، وبَرَأْتُ: لغةُ أهل الحِجاز.
وقال أبو زيد: بَرَأْتُ من المرض: لغة أهل الحجاز. وسائرُ العرب: بَرِئْتُ.