الشَّهَادَةَ بِمَا وَصَفْنَا مِنْ نَفْيِ الْأُلُوهَةِ مِنْ غَيْرِهِ وَتَكْذِيبِ أَهْلِ الشِّرْكِ بِهِ، فَأَمَّا مَا قَالَ الَّذِي وَصَفْنَا قَوْلَهُ مِنْ أَنَّهَ عَنَى بِقَوْلِهِ شَهِدَ: قَضَى، فَمِمَّا لَا يُعْرَفُ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ وَلَا الْعَجَمِ؛ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ مَعْنًى، وَالْقَضَاءَ غَيْرُهَا.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (19) }
وَمَعْنَى الدِّينِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ الطَّاعَةُ وَالذِّلَّةُ مِنْ قَوْلِ الشَّاعِرِ:
[البحر الوافر]
وَيَوْمُ الْحَزْنِ إِذْ حَشَدَتْ مَعَدٌّ ... وَكَانَ النَّاسُ إِلَّا نَحْنُ دِينَا
يَعْنِي بِذَلِكَ: مُطِيعِينَ عَلَى وَجْهِ الذُّلِّ؛ وَمِنْهُ قَوْلُ الْقُطَامِيِّ:
[البحر الكامل]
كَانَتْ نَوَارُ تَدِينُكَ الْأَدْيَانَا
يَعْنِي تُذِلُّكَ. وَقَوْلُ الْأَعْشَى مَيْمُونِ بْنِ قَيْسٍ:
[البحر الخفيف]
هُوَ دَانَ الرَّبَابَ إِذْ كَرِهُوا الدِّ ... ينَ دِرَاكًا بِغَزْوَةٍ وِصِيَالِ
يَعْنِي بِقَوْلِهِ «دَانَ» : ذَلَّلَ، وَبِقَوْلِهِ «كَرِهُوا الدِّينَ» : الطَّاعَةَ، وَكَذَلِكَ الْإِسْلَامُ، وَهُوَ الِانْقِيَادُ بِالتَّذَلُّلِ وَالْخُشُوعِ، وَالْفِعْلُ مِنْهُ أَسْلَمَ، بِمَعْنَى: دَخَلَ فِي السِّلْمِ، كَمَا يُقَالُ: أَقْحَطَ الْقَوْمُ: إِذَا دَخَلُوا فِي الْقَحْطِ، وَأَرْبَعُوا: إِذَا دَخَلُوا فِي الرَّبِيعِ، فَكَذَلِكَ أَسْلَمُوا: إِذَا دَخَلُوا فِي السِّلْمِ، وَهُوَ الِانْقِيَادُ بِالْخُضُوعِ وَتَرْكُ الْمُمَانَعَةِ، فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، فَتَأْوِيلُ قَوْلِهِ: {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ} إِنَّ الطَّاعَةَ الَّتِي هِيَ الطَّاعَةُ عِنْدَهُ الطَّاعَةُ لَهُ، وَإِقْرَارُ الْأَلْسُنِ وَالْقُلُوبِ لَهُ بِالْعُبُودِيَّةِ وَالذِّلَّةِ، وَانْقِيَادُهَا لَهُ بِالطَّاعَةِ فِيمَا أَمَرَ وَنَهَى، وَتَذَلُّلُهَا لَهُ بِذَلِكَ مِنْ غَيْرِ اسْتِكْبَارٍ عَلَيْهِ وَلَا انْحِرَافٍ عَنْهُ دُونَ إِشْرَاكِ غَيْرِهِ مِنْ خَلْقِهِ مَعَهُ فِي الْعُبُودِيَّةِ وَالْأُلُوهِيَّةِ.