لقد أنصفهم الله حق الإنصاف ، والذين آمنوا برسول الله من أتباع تلك الديانات قد اهتدوا إلى الحق ، واختلفوا مع غيرهم وقول الحق: {أُوتُواْ الْكِتَابَ} هذا القول يقتضي أن نقف عند"أُوتُواْ"أي أن شيئا قد جاء إليهم من جهة أخرى. إذن فالكتاب ليس من أفكار البشر ؛ لأن المنهج لو كان من أفكار البشر لكان من الممكن أن يختلفوا فيه أو حوله ، وبناء"أُوتُواْ"للمفعول يجعلنا نسأل: من الذي آتاهم الكتاب ؟ إنه الله سبحانه وتعالى ، والحق سبحانه وتعالى لا يأتي بمختلف فيه.
وما دام الكتاب من عند الله فلا يمكن أن يوجد فيه خلاف. يقول الحق:
{وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفاً كَثِيراً} [النساء: 82] .
وكأن الله بنبهنا بذلك القول إلى أن كل شيء بنبت من البشر للبشر ، فلا بد أن تحدث فيه خلافات. إنما الشيء عندما يأتي من الواحد الأحد لا يمكن أن يحدث فيه خلاف أبدا. لا يمكن أن يحدث خلاف فيما اتحد فيه المصدر والمنبع إلا إن وجدت - بضم الواو وكسر الجيم - أشياء زائدة عن ذلك ، وهذه الأشياء الزائدة هي أهواء الذين يقولون: إنهم منسوبون إلى الله.
إذن فالحق سبحانه وتعالى يوضح لنا أن الكتاب لم يأت إليهم من بشر مثلهم ، إنما من إله واحد قادر ، وفي هذا تنبيه لأتباع الديانات السابقة. أي إنكم أيها الأتباع لا تتبعون إلا منهج الله ، وحين تتبعون منهج الله الذي جاء به الرسل فأنتم لا تتبعون أحدا من الخلق ، لأن أي رسول أرسل إليكم إنما جاء ليبلغكم بمنهج قادم من ربكم ، ولم يقل لكم أحد من الرسل إن المنهج قادم من عنده والرسول يحمل نفسه على الطاعة والخضوع للمنهج المنزل عليه قبلكم ، وهذه عزة لكم ، ولينتبه جميع الخلق أن المنهج الحق دائما قد أخذه الرسل من الله.