ومعنى"أنظر"أي أمهله وأخر أخذ الدين منه فلا يلاحقه ، فلا يحبسه فِي دينه ، فلا يطارده ، وإن تسامى فِي اليقين الإيماني ، يقول له:"اذهب ، الله يعوض علي وعليك"وتنتهي المسألة ، ولذلك يقول الحق:"وأن تصدقوا خير لكم إن كنتم تعلمون"والثمرة هي حسن الجزاء من الله. فإما أن تنظر وتؤخر ، وإما أن تتصدق ببعض الدين أو بكل الدين ، وأنت حر فِي أن تفعل ما تشاء. فانظروا دقة الحق عند تصفية هذه القضية الاقتصادية التي كانت الشغل الشاغل للبيئة الجاهلية.
ولقد عرفنا مما تقدم أن الإسلام قد بنى العملية الاقتصادية على الرفد والعطاء ، وتكلم الحق سبحانه وتعالى عنها فِي آيات النفقة التي سبقت من أول قوله تعالى:"مثل الذين ينفقون أموالهم فِي سبيل الله كمثل حبة". وتكلم طويلا عن النفقة. والنفقة تشمل ما يكون مفوضا عليك من زكاة ، وما تتطوع به أنت. والمتطوع بشيء فوق ما فرض الله يعتبره سبحانه حقا للفقير ، ولكنه حق غير معلوم ، ولذلك حينما تعرضنا إلى قوله سبحانه:
آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ (16) كَانُوا قَلِيلاً مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (17)
(سورة الذاريات)
أيتطلب الإسلام منا ألا نهجع إلا قليلا من الليل ؟ لا ، إن للمسلم أن يصلي العشاء وينام ، ثم يقوم لصلاة الفجر ، هذا ما يطلبه الإسلام. لكن الحق سبحانه هنا يتكلم عن المحسنين الذين دخلوا فِي مقام الإحسان مع الله.
إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (15) آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ (16) كَانُوا قَلِيلاً مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (17) وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (18)
(سورة الذاريات)
هل التشريع يلزم المؤمن أن يقوم بالسحر ليستغفر ؟ لا ، إن المسلم عليه أن يؤدي الفروض ، ولكن إن كان المسلم يرغب فِي دخول مقام الإحسان فعليه أن يعرف الطريق: