11 - {إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ} المعهود وقت الطوفان؛ أي: جاوز حدّه المعتاد حتى ارتفع على كل شيء خمس مائة ذراع، وقال بعضهم: ارتفع على أرفع جبل في الدنيا خمسة عشر ذراعًا. أو جاوز حذه في المعاملة مع خزّانه من الملائكة بحيث لم يقدروا على ضبطه. وذلك الطغيان ومجاوزة الحدّ بسبب إصرار قوم نوح على فنون الكفر والمعاصي ومبالغتهم في تكذيبه فيما أوحي إليه من الأحكام التي من جملتها أحوال القيامة، فانتقم الله منهم بالإغراق. {حَمَلْنَاكُمْ} أيّها الناس، أي: حملنا آباءكم وأنتم في أصلابهم، فكأنّكم محمولون بأشخاصكم. وفيه تنبيه على المنّة في الحمل؛ لأنّ نجاة آبائهم سبب ولادتهم. {فِي الْجَارِيَةِ} يعني: في سفينة نوح؛ لأنّ من شأنها أن تجري على الماء. والمراد بحملهم فيها رفعهم فوق الماء إلى انقضاء أيام الطوفان، لا مجرد رفعهم إلى السفينة كما يعرب عنه كلمة {في} ، فإنها ليست بعلّة للحمل، بل متعلقة بمحذوف هو حال من مفعوله؛ أي: رفعناكم فوق الماء، وحفظناكم حال كونكم في السفينة الجارية بأمرنا، وحفظنا من غير غرق ولا خرق. وفيه تنبيه على أنّ مدار نجاتهم محض عصمته تعالى، وإنّما السفينة سبب صوري.
12 - {لِنَجْعَلَهَا} ؛ أي: لنجعل الفعلة التي هي عبارة عن إنجاء المؤمنين وإغراق الكافرين {لَكُمْ} أيتها الأمة المحمدية {تَذْكِرَةً} ؛ أي: عبرةً ودلالةً على كمال قدرة الصانع وحكمته وقوة قهره وسعة رحمته. فضمير {لِنَجْعَلَهَا} إلى الفعلة والقصة بدلالة ما بعد الآية من الوعي، وقد أدرك السفينة أوائل هذه الأمّة، وكان ألواحها على الجوديّ أو لنجعل هذه الأمور المذكورة لكم يا أمة محمد عبرةً وعظةً، تستدلّون بها على عظيم قدرة الله وبديع صنعه.