{وَلَا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ (36) }
فإن قلت: كيف التوفيق بين قوله: {إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ} وبين قوله: {لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ (6) } ، وفي أخرى {إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ (43) طَعَامُ الْأَثِيمِ (44) } ، وفي أخرى {أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّار} ؟
قلت: لا منافاة إذ يجوز أن يكون طعامهم جميع ذلك، أو أن العذاب أنواع والمعذبون طبقات. فمنهم أكلة غسلين، ومنهم أكلة الضريع، ومنهم أكلة الزقوم، ومنهم أكلة النار. لكل منهم جزء مقسوم.
{إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (40) }
فإن قلت: قد توجه هاهنا سؤال، وهو أن جمهور الأمّة، وهم أهل السنة مجمعون على أن القرآن كلام الله، فكيف يصح إضافته إلى الرسول؟
قلت: أما إضافته إلى الله تعالى فلأنه هو المتكلم به، وأما إضافته إلى الرسول؛ فلأنّه هو المبلغ عن الله تعالى ما أوحي إليه، ولهذا أكّده بقوله: {تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (80) } ليزول هذا الإشكال.
قال ابن قتيبة: لم يرد أنّه قول الرسول وإنّما أراد أنّه قول الرسول المبلّغ عن الله تعالى، وفي {الرسول} ما يدل على ذلك، فاكتفى به عن أن يقول: عن الله تعالى.
{وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ (41) وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (42) }
فإن قلت: لِمَ خص ذكر الإيمان مع نفي الشاعرّية والتذكر مع نفي الكاهنيّة؟
قلت: إن عدم مشابهة القرآن الشعر أمر بين لكونه نثرًا لا ينكره إلا معاند فلا مجال فيه لتوهم عذر لترك الإيمان، فلذلك وبخوا عليه وعجب منه بخلاف مباينته للكهانة، فإنها تتوقف على تذكر أحواله - صلى الله عليه وسلم - ومعاني القرآن المنافية لطريقة الكهنة ومعاني أقوالهم، فالكاهن ينصب نفسه للدلالة على الضوائع والإخبار بالمغيبات يصدق فيها تارة ويكذب كثيرًا، ويأخذ جعلًا على ذلك ويقتصر على من يسأله، وليس واحد منها من دأبه - صلى الله عليه وسلم - .