وأما: {نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ} ، و {دَكَّةً وَاحِدَةً} ، فإنما جيء بلفظ الواحدة فيهما - وقد علم أن النفخة هي واحدة، والدكة هي واحدة - لمكان نظم الكلام؛ لأن السورة التي هي: {الْحَاقَّةُ} جارية على هذا المنهاج في توازنها السجعي، ولو قيل: نفخة من غير واحدة، ودكة - من غير واحدة - ثم قيل بعدها: {فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ} ، لكان الكلام منثورًا 2 محتاجا إلى تمام، لكن التأكيد جاء فيهما ضمنا وتبعا.
وإذا تبين ذلك واتضح، فاعلم أن الفرق بين هذه الآيات، وبين قوله تعالى: {مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ} ظاهر، وذاك أن"نفخة"هي واحدة"ومناة"هي ثالثة.
{وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ (17) }
وكذلك وردت لفظة"رجا"بالقصر،"والرجا"الجانب، فإنَّها لم تستعمل موحَّدة, وإنما استعملت مجموعة، كقوله تعالى: {وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ} .
فلمَّا وردت هذه اللفظة مجموعة ألبسها الجمع ثوبًا من الحسن لم يكن لها في حال كونها موحدة.
وقد تستعمل موحَّدة بشرط الإضافة، كقولنا:"رجا البئر".
{إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ (20) }
وقد تزاد الهاء في بعض المواضع، كقوله تعالى: {فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ، إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ} ثم قال: {مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ، هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ} فإن الأصل في هذه الألفاظ كتابي وحسابي ومالي وسلطاني، فلمَّا أضيفت الهاء إليها - وتسمَّى"هاء السكت"- أضافت إليها حسنًا زائدًا على حسنها، وكستها لطافةً ولباقة.
{خُذُوهُ فَغُلُّوهُ (30) ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ (31) ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ (32) }
ومما ورد من هذا الباب قوله تعالى: {خُذُوهُ فَغُلُّوهُ، ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ} ، فإن تقديم الجحيم على التصلية، وإن كان فيه تقديم المفعول على الفعل إلا أنه لم يكن ههنا للاختصاص، وإنما هو للفضيلة السجعية، ولا مراء في أن هذا النظم على هذه الصورة أحسن من أن لو قيل: خذوه فغلوه ثم صلوه الجحيم.