وَقَوْلُهُ: {وَمَا يَسْطُرُونَ}
يَقُولُ: وَالَّذِي يَخُطُّونَ وَيَكْتُبُونَ. وَإِذَا وُجِّهَ التَّأْوِيلِ إِلَى هَذَا الْوَجْهِ كَانَ الْقَسَمُ بِالْخَلْقِ وَأَفْعَالِهِمْ. وَقَدْ يَحْتَمِلُ الْكَلَامُ مَعْنًى آخَرَ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ: وَسَطْرِهِمْ مَا يَسْطُرُونَ، فَتَكُونُ مَا بِمَعْنَى الْمَصْدَرِ. وَإِذَا وُجِّهَ التَّأْوِيلِ إِلَى هَذَا الْوَجْهِ، كَانَ الْقَسَمُ بِالْكِتَابِ، كَأَنَّهُ قِيلَ: ن وَالْقَلَمِ وَالْكِتَابِ.
يُقَالَ مِنْهُ: سَطَرَ فُلَانٌ الْكِتَابَ فَهُوَ يَسْطُرُ سَطْرًا: إِذَا كَتَبَهُ؛ وَمِنْهُ قَوْلُ رُؤْبَةَ بْنِ الْعَجَّاجِ:
[البحر الرجز]
إِنِّي وَأَسْطَارٍ سُطِرْنَ سَطْرَا
وَقَوْلُهُ: {مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ}
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ، مُكَذِّبًا بِذَلِكَ مُشْرِكِي قُرَيْشٍ الَّذِينَ قَالُوا لَهُ: إِنَّكَ مَجْنُونٌ.
وَقَوْلُهُ: {وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ}
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَإِنَّ لَكَ يَا مُحَمَّدُ لَثَوَابًا مِنَ اللَّهِ عَظِيمًا عَلَى صَبْرِكَ عَلَى أَذَى الْمُشْرِكِينَ إِيَّاكَ غَيْرَ مَنْقُوصٍ وَلَا مَقْطُوعٍ، مِنْ قَوْلِهِمْ: حَبْلٌ مُنِيرٌ، إِذَا كَانَ ضَعِيفًا، وَقَدْ ضَعُفَتْ مِنَّتُهُ: إِذَا ضَعُفَتْ قُوَّتُهُ.
وَكَانَ مُجَاهِدٌ يَقُولُ فِي ذَلِكَ: {غَيْرَ مَمْنُونٍ} قَالَ: مَحْسُوبٍ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (4) فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ (5) بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ (6) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (7) }
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَإِنَّكَ يَا مُحَمَّدُ لَعَلَى أَدَبٍ عَظِيمٍ، وَذَلِكَ أَدَبُ الْقُرْآنِ الَّذِي أَدَّبَهُ اللَّهُ بِهِ، وَهُوَ الْإِسْلَامُ وَشَرَائِعُهُ.
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ}
يَقُولُ: إِنَّكَ عَلَى دِينٍ عَظِيمٍ، وَهُوَ الْإِسْلَامُ
عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ عَنْ خُلُقِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ: كَانَ خُلُقُهُ الْقُرْآنَ، تَقُولُ: كَمَا هُوَ فِي الْقُرْآنِ.
[عَنِ] الضَّحَّاك، فِي قَوْلِهِ: {لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ}
يَعْنِي دِينَهُ، وَأَمْرَهُ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ، مِمَّا أَمَرَهُ اللَّهُ بِهِ، وَوَكَّلَهُ إِلَيْهِ.