وَقَوْلُهُ: {فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ}
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: فَسَتَرَى يَا مُحَمَّدُ، وَيَرَى مُشْرِكُو قَوْمِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَكَ مَجْنُونًا بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ.
وَقَوْلُهُ: {بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ}
اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: تَأْوِيلُهُ بِأَيِّكُمُ الْمَجْنُونُ، كَأَنَّهُ وَجَّهَ مَعْنَى الْبَاءِ فِي قَوْلِهِ: {بِأَيِّكُمُ} إِلَى مَعْنَى فِي.
وَإِذَا وُجِّهَتِ الْبَاءُ إِلَى مَعْنَى فِي كَانَ تَأْوِيلُ الْكَلَامِ: وَيُبْصِرُونَ فِي أَيِّ الْفَرِيقَيْنِ، الْمَجْنُونُ فِي فَرِيقِكَ يَا مُحَمَّدُ أَوْ فَرِيقِهِمْ، وَيَكُونُ الْمَجْنُونُ اسْمًا مَرْفُوعًا بِالْبَاءِ.
عَنْ مُجَاهِدٍ: {بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ} قَالَ: الْمَجْنُونُ
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ تَأْوِيلِ ذَلِكَ: بِأَيِّكُمُ الْجُنُونُ؛ وَكَأَنَّ الَّذِينَ قَالُوا هَذَا الْقَوْلَ وَجَّهُوا الْمَفْتُونَ إِلَى مَعْنَى الْفِتْنَةِ أَوِ الْفُتُونِ، كَمَا قِيلَ: لَيْسَ لَهُ مَعْقُولٌ وَلَا مَعْقُودٌ: أَيْ بِمَعْنَى لَيْسَ لَهُ عَقْلٌ وَلَا عَقْدٌ رَأْيٌ فَكَذَلِكَ وُضِعَ الْمَفْتُونُ مَوْضِعَ الْفُتُونِ.
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ: أَيُّكُمْ أَوْلَى بِالشَّيْطَانِ؛ فَالْبَاءُ عَلَى قَوْلِ هَؤُلَاءِ زِيَادَةُ دُخُولِهَا وَخُرُوجِهَا سَوَاءٌ، وَمَثَّلَ هَؤُلَاءِ ذَلِكَ بِقَوْلِ الرَّاجِزِ:
[البحر الرجز]
نَحْنُ بَنُو جَعْدَةَ أَصْحَابُ الْفَلَجْ ... نَضْرِبُ بِالسَّيْفِ وَنَرْجُو بِالْفَرَجْ
بِمَعْنَى: نَرْجُو الْفَرَجَ، فَدُخُولُ الْبَاءِ فِي ذَلِكَ عِنْدَهُمْ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ وَخُرُوجُهَا سَوَاءٌ
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ فِي ذَلِكَ نَحْوَ اخْتِلَافِ أَهْلِ التَّأْوِيلِ، فَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّ الْبَصْرَةِ: مَعْنَى ذَلِكَ: فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ أَيُّكُمُ الْمَفْتُونُ.
وَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّ الْكُوفَةِ: بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ هَاهُنَا، بِمَعْنَى الْجُنُونِ، وَهُوَ فِي مَذْهَبِ الْفُتُونِ، كَمَا قَالُوا: لَيْسَ لَهُ مَعْقُولٌ وَلَا مَعْقُودٌ؛ قَالَ: وَإِنْ شِئْتَ جَعَلْتَ بِأَيِّكُمُ فِي أَيِّكُمْ فِي أَيِّ الْفَرِيقَيْنِ الْمَجْنُونُ؛ قَالَ: وَهُوَ حِينَئِذٍ اسْمٌ لَيْسَ بِمَصْدَرٍ.