ولما كان فناء الخلق سبباً لبعثهم للنشأة الأخرى التي يظهر بها المحق من المبطل ، وينقلب الأول بالثواب ، ويبوء الآخر بالعقاب ، وذلك من أعظم النعم التي يشمل فيها العدل الإلهي المكلفين ، قال سبحانه: {فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ}
وقد أشار الرازيّ إلى ما في قوله تعالى: {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ} من الفوائد ، بقوله: فيه فوائد:
منها: الحث على العبادة ، وصرف الزمان اليسير إلى الطاعة .
ومنها: المنع من الوثوق بما يكون للمرء ، فلا يقول - إذا كان في نعمة -: إنها لن تذهب فيترك الرجوع إلى الله ، معتمداً على ماله وملكه .
ومنها: الأمر بالصبر إن كان في ضر ، فلا يكفر بالله معتمداً على أن الأمر ذاهب ، والضرر زائل .
ومنها: ترك اتخاذ الغير معبوداً ، والزجر عن الاغترار بالقرب من المملوك ، وترك التقرب إلى الله تعالى ؛ فإن أمرهم إلى الزوال قريب .
ومنها: حسن التوحيد ، وترك الشرك الظاهر والخفي جميعاً ، لأن الفاني لا يصلح لأن يعبد .
{يَسْأَلُهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْن ٍ *فباي الاء ربكما تكذبان} [29 - 30]
{يَسْأَلُهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} أي: يدعونه ويرغبون إليه ، ويرجون رحمته لفقرهم الذاتي ، وغناه المطلق .
{كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ} أي: كل وقت يحدث أموراً ، ويجدِّد أحوالاً . قال مجاهد: يعطي سائلاً ، ويفك عانياً ، ويجيب داعياً ، ويشفي سقيماً .
وروى ابن جرير أن النبي صلى الله عليه وسلم تلا هذه الآية . فقيل: يا رسول الله ! وما ذاك الشأن ؟ قال: ( يغفر ذنباً ، ويفرِّج كرباً ، ويرفع أقواماً ، ويضع آخرين ) .