ولما كان خروج هذين الصنفين نعمة على الناس ، لتحلّيهم بهما ، كما تشير له آية: {وَمِن كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيّاً وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا} [فاطر: 12] ، قال سبحانه:
{فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ}
{وَلَهُ الْجَوَارِ الْمُنشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ * فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} [24 - 25]
وقوله تعالى: {وَلَهُ الْجَوَارِ} يعني السفن ، جمع جارية {الْمُنشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ} قرئ بكسر الشين ، بمعنى الظاهرات السير اللاتي تقبلن وتدبرن ، وبفتحها بمعنى المرفوعات القلاع اللاتي تقبل بهن وتدبر . والأعلام جمع علَم ، وهو الجبل الطويل . ولما كانت من أعظم الأسباب للمتاجر والمكاسب المنقولة من قطر إلى قطر ، وإقليم إلى إقليم مما فيه صلاح للناس في جلب ما يحتاجون إليه من سائر أنواع البضائع ، قال تعالى: {فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} أي: نعمه التي أنعم بها في هذه الجواري . قال القاضيّ: أي: من خلق موادها ، والإرشاد إلى أخذها ، وكيفية تركيبها وإجرائها في البحر بأسباب لا يقدر خلقها وجمعها غيره .
{كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ * فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} [26 - 28]
{كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ} أي: مَن على ظهر الأرض هالك .
{وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ} أي: ذاته الكريمة {ذُو الْجَلَالِ} أي: العظمة والعلوّ والكبرياء {وَالْإِكْرَامِ} أي: التفضل العام ، وهذه الآية كآية {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ} [القصص: 88] .