وَأَمَّا الْحَدِيثُ: فَإِشَارَةٌ إِلَى كَمَالِ الْحُضُورِ مَعَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. وَمُرَاقَبَتِهِ الْجَامِعَةِ لِخَشْيَتِهِ، وَمَحَبَّتِهِ وَمَعْرِفَتِهِ، وَالْإِنَابَةِ إِلَيْهِ، وَالْإِخْلَاصِ لَهُ، وَلِجَمِيعِ مَقَامَاتِ الْإِيمَانِ.
[دَرَجَاتُ الْإِحْسَانِ]
[الدَّرَجَةُ الْأَوْلَى الْإِحْسَانُ فِي الْقَصْدِ بِتَهْذِيبِهِ عِلْمًا]
قَالَ: وَهُوَ عَلَى ثَلَاثِ دَرَجَاتٍ. الدَّرَجَةُ الْأُولَى: الْإِحْسَانُ فِي الْقَصْدِ بِتَهْذِيبِهِ عِلْمًا، وَإِبْرَامِهِ عَزْمًا، وَتَصْفِيَتِهِ حَالًا.
يَعْنِي: إِحْسَانُ الْقَصْدِ يَكُونُ بِثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ.
أَحَدُهَا: تَهْذِيبُهُ عِلْمًا، بِأَنْ يَجْعَلَهُ تَابِعًا لِلْعِلْمِ عَلَى مُقْتَضَاهُ مُهَذَّبًا بِهِ. مُنَقًّى مِنْ شَوَائِبِ الْحُظُوظِ، فَلَا يَقْصِدُ إِلَّا مَا يَجُوزُ فِي الْعِلْمِ. وَالْعِلْمُ هُوَ اتِّبَاعُ الْأَمْرِ وَالشَّرْعِ.
وَالثَّانِي: إِبْرَامُهُ عَزْمًا. وَالْإِبْرَامُ: الْإِحْكَامُ وَالْقُوَّةُ.
أَيْ يُقَارِنُهُ عَزْمٌ يُمْضِيهِ، وَلَا يَصْحَبُهُ فُتُورٌ وَتَوَانٍ يُضْعِفُهُ وَيُوهِنُهُ.
الثَّالِثُ: تَصْفِيَتُهُ حَالًا.
أَيْ يَكُونُ حَالُ صَاحِبِهِ صَافِيًا مِنَ الْأَكْدَارِ وَالشَّوَائِبِ، الَّتِي تَدُلُّ عَلَى كَدَرِ قَصْدِهِ.
فَإِنَّ الْحَالَ مَظْهَرُ الْقَصْدِ وَثَمَرَتُهُ. وَهُوَ أَيْضًا مَادَّتُهُ وَبَاعِثُهُ. فَكُلٌّ مِنْهُمَا يَنْفَعِلُ عَنِ الْآخَرِ.
فَصَفَاؤُهُ وَتَخْلِيصُهُ مِنْ تَمَامِ صَفَاءِ الْآخَرِ وَتَخْلِيصِهِ.
[فَصْلٌ الدَّرَجَةُ الثَّانِيَةُ الْإِحْسَانُ فِي الْأَحْوَالِ]
قَالَ: الدَّرَجَةُ الثَّانِيَةُ: الْإِحْسَانُ فِي الْأَحْوَالِ. وَهُوَ أَنْ تُرَاعِيَهَا غَيْرَةً. وَتَسْتُرَهَا
تَظَرُّفًا، وَتُصَحِّحَهَا تَحَقِيقًا.
يُرِيدُ بِمُرَاعَاتِهَا: حِفْظَهَا وَصَوْنَهَا، غَيْرَةً عَلَيْهَا أَنْ تَحُولَ. فَإِنَّهَا تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ. فَإِنْ لَمْ يَرْعَ حُقُوقَهَا حَالَتْ. وَمُرَاعَاتُهَا: بِدَوَامِ الْوَفَاءِ، وَتَجَنُّبِ الْجَفَاءِ.
وَيُرَاعِيهَا أَيْضًا بِإِكْرَامِ نُزُلِهَا. فَإِنَّهَا ضَيْفٌ. وَالضَّيْفُ إِنْ لَمْ تُكَرِمْ نُزُلَهُ ارْتَحَلَ.