وفيه إيماء إلى أن ما أوعدوه يأتيهم من قِبَل السماء كما قال تعالى: {فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين يغشى الناس هذا عذاب أليم} [الدخان: 10 ، 11] .
فإن ذلك الدخان كان في طبقات الجو كما تقدم في سورة الدخان.
فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ (23)
بعد أن أكد الكلام بالقسم بـ {الذاريات} [الذاريات: 1] وما عطف عليها فرع على ذلك زيادة تأكيد بالقسم بخالق السماء والأرض على أن ما يوعدون حق فهو عطف على الكلام السابق ومناسبته قوله: {وما توعدون} [الذاريات: 22] .
وإظهار اسم السماء والأرض دون ذكر ضميرهما لإدخال المهابة في نفوس السامعين بعظمة الربّ سبحانه.
وضمير {إنه لحقّ} عائد إلى {ما توعدون} [الذاريات: 22] .
وهذا من ردّ العجز على المصدر لأنه رد على قوله أول السورة {إن ما توعدون لصادق} [الذاريات: 5] وانتهى الغرض.
وقوله: {مثل ما أنكم تنطقون} زيادة تقرير لوقوع ما أوعدوه بأن شبه بشيء معلوم كالضرورة لا امتراء في وقوعه وهو كون المخاطبين ينطقون.
وهذا نظير قولهم: كما أن قبلَ اليوم أمس ، أو كما أن بعد اليوم غداً.
وهو من التمثيل بالأمور المحسوسة ، ومنه تمثيل سرعة الوصول لقرب المكان في قول زهير:
فهن ووادِي الرسّ كاليد للفم...
وقولهم: مثل ما أنك ها هنا ، وقولهم: كما أنك ترى وتسمع.
وقرأ الجمهور {مثلَ} بالنصب على أنه صفة حال محذوف قصد منه التأكيد.
والتقدير: إنه لحق حقاً مثل ما أنكم تنطقون.
وقرأ حمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم وخلف مرفوعاً على الصفة {لحق} صفة أريد بها التشبيه.
و {ما} الواقعة بعد {مثل} زائدة للتوكيد.
وأردفت بـ (أنَّ) المفيدة للتأكيد تقوية لتحقيق حقية ما يوعدون.