والخطاب للذين خوطبوا بقوله أول السورة {إن ما تُوعَدُون لصادق} [الذاريات: 5] .
وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ (22)
بعد أن ذكر دلائل الأرض ودلائل الأنفس التي هم من علائِق الأرض عُطف ذكر السماء للمناسبة ، وتمهيداً للقَسم الذي بعده بقوله: {فوربِّ السماء والأرض إنه لحق} [الذاريات: 23] .
ولما في السماء من آية المطر الذي به تنبت الأرض بعد الجفاف ، فالمعنى: وفي السماء آية المطر ، فعدل عن ذكر المطر إلى الرزق إدماجاً للامتنان في الاستدلال فإن الدليل في كونه مطراً يحيي الأرض بعد موتها.
وهذا قياس تمثيل للنبت ، أي في السماء المطر الذي ترزقون بسببه.
فالرزق: هو المطر الذي تحمله السحب والسماء هنا: طبقات الجو.
وتقديم المجرور على متعلقه للتشويق وللاهتمام بالمكان وللردّ على الفاصلة.
وعَطف {وما توعدون} إدماج بين أدلة إثبات البعث لقصد الموعظة الشاملة للوعيد على الإشراك والوعد على الإيمان إن آمنوا تعجيلاً بالموعظة عند سنوح فرصتها.
وفي إيثار صيغة {تُوعَدون} خصوصية من خصائص إعجاز القرآن ، فإن هذه الصيغة صالحة لأن تكون مصوغة من الوعد فيكون وزن {توعدون} تفعلون مضارع وعَد مبنياً للنائب.
وأصله قبل البناء للنائب تَعدون وأصله تَوْعَدُون ، فلما بني للنائب ضُمّ حرف المضارعة فصارت الواو الساكنة مَدة مجانسة للضمة فصار: تُوعدون.
وصالحة لأن تكون من الإيعاد ووَزنه تأفْعَلُون مثل تصريف أكرم يكرم وبذلك صار {توعدون} مثل تُكرمَون ، فاحتملت للبشارة والإنذار.
وكون ذلك في السماء يجوز أن يكون معناه أنه محقق في علم أهل السماء ، أي الملائكة الموكلين بتصريفه.
ويجوز أن يكون المعنى: أن مَكان حصوله في السماء ، من جنة أو جهنم بناء على أن الجنة وجهنم موجودتان من قبل يوم القيامة ، وفي ذلك اختلاف لا حاجة إلى ذكره.