ثم بين إحسانهم الذي وصفهم به ، فقال: {كَانُواْ قَلِيلاً مّن اليل مَا يَهْجَعُونَ} الهجوع: النوم بالليل دون النهار ، والمعنى: كانوا قليلاً ما ينامون من الليل ، و"ما"زائدة ، ويجوز أن تكون مصدرية ، أو موصولة أي: كانوا قليلاً من الليل هجوعهم ، أو ما يهجعون فيه ، ومن ذلك قول أبي قيس بن الأسلت:
قد حصت البيضة رأسي... فما أطعم نوماً غير تهجاع
والتهجاع: القليل من النوم ، ومن ذلك قول عمرو بن معدي كرب.
أمن ريحانة الداعي السميع... يهيجني وأصحابي هجوع
وقيل:"ما"نافية ، أي: ما كانوا ينامون قليلاً من الليل ، فكيف بالكثير منه ، وهذا ضعيف جدًّا.
وهذا قول من قال: إن المعنى كان عددهم قليلاً.
ثم ابتدأ فقال: {مَا يَهْجَعُونَ} وبه قال ابن الأنباري ، وهو أضعف مما قبله.
وقال قتادة في تفسير هذه الآية: كانوا يصلون بين العشاءين ، وبه قال أبو العالية ، وابن وهب.
{وبالأسحار هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} أي: يطلبون في أوقات السحر من الله سبحانه أن يغفر ذنوبهم.
قال الحسن: مدّوا الصلاة إلى الأسحار.
ثم أخذوا بالأسحار الاستغفار.
وقال الكلبي ، ومقاتل ، ومجاهد: هم بالأسحار يصلون ، وذلك أن صلاتهم طلب منهم للمغفرة.
وقال الضحاك: هي صلاة الفجر.
ثم ذكر سبحانه صدقاتهم فقال: {وفي أموالهم حَقٌّ لَّلسَّائِلِ والمحروم} أي: يجعلون في أموالهم على أنفسهم حقاً للسائل والمحروم تقرّباً إلى الله عزّ وجلّ.
وقال محمد بن سيرين ، وقتادة: الحق هنا: الزكاة المفروضة ، والأوّل أولى ، فيحمل على صدقة النفل ، وصلة الرحم ، وقري الضيف ؛ لأن السورة مكية ، والزكاة لم تفرض إلاّ بالمدينة ، وسيأتي في سورة {سأل سائل} :
{والذين فِى أموالهم حَقٌّ مَّعْلُومٌ لَّلسَّائِلِ والمحروم} [المعارج: 24 ، 25] بزيادة معلوم ، والسائل هو: الذي يسأل الناس لفاقته.