فقالت عائشة من وراء حجاب: ما أنزل الله فينا شيئا من القرآن، إلا أن الله أنزل عذري. وفي رواية للنسائى أنها قالت: كذب مروان، والله ما هو به، ولو شئت أن أسمى الذي نزلت فيه لسميته .. .
ولفظ «أف» : اسم صوت ينبئ عن التضجر، أو اسم فعل مضارع هو أتضجر.
والمقصود به هنا: إظهار الملل والتأفف والكراهية لما يقوله أبواه من نصح له.
وقوله: أَتَعِدانِنِي فعل مضارع من وعد الماضي، وحذف واوه في المضارع مطرد.
والنون الأولى نوع الرفع، والثانية نون الوقاية.
وقوله: أَنْ أُخْرَجَ: أن وما دخلت عليه في تأويل مصدر هو المفعول الثاني لقوله:
أَتَعِدانِنِي. أي: والذي قال لوالديه - على سبيل الإنكار والإعراض عن نصحهما - أُفٍّ لَكُما أي: أقول بعدا وكرها لقولكما، أو إنى متضجر من قولكما.
أَتَعِدانِنِي أَنْ أُخْرَجَ أي: أتعداننى الخروج من قبري بعد أن أموت، لكي أبعث وأحاسب على عملي، والحال أنه قَدْ خَلَتِ أي: مضت الْقُرُونُ الكثيرة مِنْ قَبْلِي دون أن يخرج أحد منهم من قبره، ودون أن يرجع بعد أن مات.
فالآية الكريمة تصور بوضوح ما كان عليه هذا الإنسان، من سوء أدب مع أبويه، ومن إنكار صريح للبعث والحساب والجزاء.
ثم حكى - سبحانه - مارد به الأبوان فقال: وَهُما يَسْتَغِيثانِ اللَّهَ وَيْلَكَ آمِنْ، إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ ....
وقوله: يَسْتَغِيثانِ اللَّهَ أي: يلتمسان غوثه وعونه في هداية هذا الإنسان إلى الصراط المستقيم، والجملة في محل نصب على الحال.
ولفظ «ويلك» في الأصل، يقال في الدعاء على شخص بالهلاك والتهديد. والمراد به هنا:
حض المخاطب على الإيمان والطاعة لله رب العالمين.
أي: هذا هو حال الإنسان العاق الجاحد، أما حال أبواه، فإنهما يفزعان لما قاله وترتعش أفئدتهما لهذا التطاول والصدود عن الحق، فيلجئان إلى الله، ويلتمسان منه - سبحانه - الهداية لابنهما، ويحضان هذا الابن على الإيمان بوحدانية الله - تعالى - ، وبالبعث والحساب والجزاء، فيقولان له: وَيْلَكَ آمِنْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ ولا خلف فيه، ولا راد له ..