فالجار والمجرور في قوله أَصْحابِ الْجَنَّةِ في محل نصب على الحال، على سبيل التشريف والتكريم، كما تقول: أكرمنى الأمير في أصحابه، أي: حالة كوني معدودا من أصحابه.
وقوله - تعالى -: وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ تذييل مؤكد لما قبله. ولفظ وَعْدَ مصدر لفعل مقدر. أي: وعدهم الله - تعالى - وعد الصدق الذي كانوا يوعدون به على ألسنة الرسل في الدنيا.
هذا، وقد ذكر بعض المفسرين أن هاتين الآيتين نزلتا في شأن أبى بكر الصديق - رضي الله عنه - ، وقد استجاب الله دعاءه، فأسلم أبواه وأولاده جميعا .. .
وبعد أن ساق - سبحانه - هذه الصورة الوضيئة لأصحاب الجنة، أتبع ذلك ببيان صورة سيئة لنوع آخر من الناس، فقال - تعالى -:
[سورة الأحقاف (46) : الآيات 17 إلى 20]
(وَالَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما أَتَعِدانِنِي أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي وَهُما يَسْتَغِيثانِ اللَّهَ وَيْلَكَ آمِنْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَيَقُولُ ما هذا إِلاَّ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ(17)
والاسم الموصول في قوله - تعالى -: وَالَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما .. بمعنى الذين، وهو مبتدأ وخبره قوله: أُولئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ .. وهذا صريح في أن المراد بقوله: وَالَّذِي العموم وليس الإفراد، وهذا يدل - أيضا - على فساد قول من قال إن الآية نزلت في شأن عبد الرحمن بن أبى بكر الصديق - رضي الله عنهما - ، والصحيح أنها في حق كل كافر عاق لوالديه، منكر للبعث.
قال ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية: وهذا عام في كل من قال هذا، ومن زعم أنها نزلت في عبد الرحمن بن أبى بكر، فقوله ضعيف، لأن عبد الرحمن أسلم بعد ذلك، وحسن إسلامه، وكان من خيار أهل زمانه.
أخرج البخاري عن يوسف بن ماهك قال: كان مروان على الحجاز، استعمله معاوية بن أبى سفيان، فخطب وجعل يذكر يزيد بن معاوية لكي يبايع له بعد أبيه.
فقال له عبد الرحمن بن أبى بكر شيئا .. فقال مروان: إن هذا الذي أنزل فيه: وَالَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما ...