و {جاثية} اسم فاعل من مصدر الجُثُوِّ بضمتين وهو البروك على الرُكبتين باستئفاز ، أي بغير مباشرة المقعدة للأرض ، فالجاثي هو البارك المستوفز وهو هيئة الخضوع.
وظاهر كون {كتابها} مفرداً غير معرف باللام أنه كتاب واحد لكل أمة فيقتضي أن يراد كتاب الشريعة مثل القرآن ، والتوراة ، والإنجيل ، وصحف إبراهيم وغير ذلك لا صحائف الأعمال ، فمعنى {تدعى إلى كتابها} تدعى لتعرض أعمالها على ما أُمرت به في كتابها كما في الحديث"القرآن حجةٌ لك أو عليك"وقيل: أريد بقوله: {كتابها} كتاب تسجيل الأعمال لكل واحد ، أو مراد به الجنس وتكون إضافته إلى ضمير الأمة على إرادة التوزيع على الأفراد لأن لكل واحد من كل أمة صحيفة عمله خاصة به كما قال تعالى: {اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيباً} [الإسراء: 14] ، وقال: {وَوضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه} [الكهف: 49] أي كل مجرم مشفق مما في كتابه ، إلا أن هذه الآية الأخيرة وقع فيها الكتاب معرفاً باللام فقبل العمومَ.
وأما آية الجاثية فعمومها بدليّ بالقرينة.
فالمراد: خصوص الأمم التي أرسلت إليها الرسل ولها كتب وشرائع لقوله تعالى: {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً} [الإسراء: 15] .
ومسألة مؤاخذة الأمم التي لم تجئها الرسل بخصوص جحد الإله أو الإشراككِ به مقررة في أصول الدين ، وتقدمت عند قوله تعالى: {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً} في سورة الإسراء (15) .
وقرأ الجمهور {كل أمة تدعى إلى كتابها} برفع {كل} على أنه مبتدأ و {تدعى} خبر عنه والجملة استئناف بياني لأن جُثو الأمة يثير سؤال سائل عما بعد ذلك الجثوّ.
وقرأه يعقوب بنصب {كلَّ} على البدل من قوله: {وترى كل أمة} .