وفي قصة سيدنا سليمان عليه السلام تكلَّم الهدهد كلاماً دلَّ على علمه وفَهْمه لقضية التوحيد كأحسن ما يكون الفهم، وتكلَّمت نملة ووجدنا عندها مقاييس الحق والعدالة.
ووالله إن الإنسان ليتعجب حينما يقرأ قوله تعالى:
{أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَآبُّ وَكَثِيرٌ مِّنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَن يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَآءُ} [الحج: 18] .
فكلُّ الكائنات تُسبِّح على إطلاقها ودون استثناء، إلا الإنسان هو المخلوق الوحيد الذي يشذ عن هذه المنظومة المسبِّحة.
لذلك قلنا: إن المخلوقات الأخرى غير الإنسان كانتْ أكثر فهماً منه حين رفضتْ التخيير وتنازلتْ عن مرادها لمراد ربها. إذن: لا تغترّ أيها الإنسان، واعلم أن المخلوقات من حولك لها دور ولها منزلة عند الله، وقد خُلِق فيها مثل ما خُلِق فيك من الفهم والعاطفة.
وقد ورد في الحديث الصحيح عن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يُؤيد هذه المسألة، فقال عن أُحُد:"أُحُد جبل يُحبنا ونُحبه".
وثبت أن الجبل اهتزَّ به هو وصحابته، فقال له"اثبُتْ أُحُد، فإنما عليك نبيٌّ وصِدِّيق وشهيدان".
وقال:"والله إنِّي لأعرف حجراً كان يُسلِّم عليَّ بمكة قبل البعثة".
وثبت أيضاً في الحديث أن الأرض تبكي لموت المؤمن وتفرح لموت الكافر. والعرب تقول (نبَتْ به الدار) يعني: كرهته.
وما هذا إلا لأن هذه الجمادات لها فَهْم وتعقّل على كيفية ما، وأنها مُنسجمة تماماً مع منهج الله، فهي طائعة مُسبِّحة، لذلك تحب مَنْ كان على شاكلتها من البشر وتكره مَنْ شذَّ منهم عن منهج الله وقضية التوحيد.
لذلك سيدنا الإمام علي لما سُئِلَ: أتبكي السماء والأرض؟ قال:"نعم، إذا مات المؤمن بكى عليه موضعان: موضع في الأرض وموضع في السماء. أما موضعه في الأرض فموضعُ سجوده أو مُصلاّه، وأما موضعه في السماء فمصعد عمله"فكأن هناك صحبة بين المكان والمكين فيه، بين المكان والإنسان المؤمن.
وبهذا نفهم {فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَآءُ وَالأَرْضُ} [الدخان: 29] وكيف تبكي السماء على هلاك عدو الله فرعون بعد أنْ بارز الحق سبحانه وادَّعى أنه إله من دون الله؟