والمتأمل في هذه الجملة الكريمة يراها تصور لهفة الوالدين على إيمان ولدهما أكمل تصوير، فهما يلتمسان من الله له الهداية، ثم يهتفان بهذا الابن العاق بفزع أن يترك هذا الجحود، وأن يبادر إلى الإيمان بالحق ..
ولكن الابن العاق يصر على كفره، ويلج في جحوده: فَيَقُولُ في الرد على أبويه ما هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ. أي: ما هذا الذي تعدانني إياه من البعث والحساب والجزاء .. إلا أباطيل الأولين وخرافاتهم التي سطروها في كتبهم.
فالأساطير: جمع أسطورة، وهي ما سجله الأقدمون في كتبهم من خرافات وأكاذيب.
وقوله: أُولئِكَ .. اسم الإشارة هذا يعود إلى العاقين المكذبين بالبعث والجزاء المذكورين في قوله - تعالى - قبل ذلك: وَالَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما ...
أي: أولئك القائلون ذلك، هم الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ أي: وجب عليهم العذاب الذي حكم به - سبحانه - على أمثالهم في قوله - تعالى - لإبليس لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ كما يفيده قوله - سبحانه - بعد ذلك. فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ. أي: أولئك الذين وجب عليهم العذاب، حالة كونهم مندرجين في أمم قد مضت من قبلهم من طائفة الجن ومن طائفة الإنس إِنَّهُمْ جميعا كانُوا خاسِرِينَ لأنهم استحبوا الكفر على الإيمان.
ثم بين - سبحانه - مظهرا من مظاهر عدالته في حكمه بين عباده فقال: وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمَّا عَمِلُوا. وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمالَهُمْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ.
والتنوين في قوله وَلِكُلٍّ عوض عن المضاف إليه المحذوف، والجار والجرور في قوله مِمَّا عَمِلُوا صفة لقوله دَرَجاتٌ، ومن بيانية، وما موصولة.
وقوله: وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمالَهُمْ علة لمحذوف .. والمعنى: ولكل فريق من الفريقين: فريق المؤمنين المعبر عنهم بقوله: - تعالى -: أُولئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ ما عَمِلُوا ...
وفريق الكافرين المعبر عنهم بقوله - تعالى -: أُولئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ ...