وقوله: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} استئناف مشعر بأن كفرهم ، لضلالهم المسبب عن ظلمهم ، ودليل على الجواب المحذوف . مثل: أَلَسْتُمْ ظَالِمِينَ . أو فَمَنَ أَضَل ُّمِنْكُمْ . وذلك عدم الهداية مما ينبئ عن الضلال قطعاً ، فيكون كقوله في الآية الأخرى: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ} [فصلت: 52] .
قال أبو السعود: ووصفهم بالظلم للإشعار بعلة الحكم ، فإن تركه تعالى لهدايتهم ، لظلمهم .
تنبيه:
روي أن الشاهد هو عبد الله بن سلام ، فتكون الآية مدنية مستثناة من السورة ، كما ذكره الكواشي ؛ لأن إسلامه كان بالمدينة . وأجيب: بأن لا حاجة للاستثناء ، وأن الآية من باب الإخبار قبل الوقوع ، كقوله: {وَنَادَى أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ} [الأعراف: 48] . ويرشحه أن: {شَهِدَ} معطوف على الشرط الذي يصير به الماضي مستقبلاً ، فلا ضير في شهادة الشاهد بعد نزولها ، ويكون تفسيره به بياناً للواقع ، لا على أنه مراد بخصوصه منها . هذا ما حققوه . ويقرب مما نذكره كثيراً من المراد من سبب النزول في مثل هذا ، وأنه استشهاد على ما يتناوله اللفظ الكريم .
ثم أشار إلى حكاية نوع من أباطيلهم في التنزيل والمؤمنين به ، فقال سبحانه:
{وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْراً مَّا سَبَقُونَا إِلَيْهِ وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ} [11] .
{وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ} أي: الإيمان ، أو ما أتى به الرسول: {خَيْراً مَّا سَبَقُونَا إِلَيْهِ} أي: لو كان من عند الله لكنا أولى به ، كسائر الخيرات من المال ، والجاه .