وقوله تعالى: {وَرَزَقْنَاهُمْ مِّنَ الطَّيِّبَاتِ ..} [الجاثية: 16] ومن هذه الطيبات المنّ والسّلْوى التي أنزلها الله عليهم في فترة التيه، حيث لا استقرار ولا أرض تُزرع، فأنزل الله عليهم المنّ وهو سائلٌ يشبه العسل ينزل على أوراق الشجر حبيبات شفافة تتساقط في الصباح، طعمه حلو كأنه خليط من العسل والقشدة.
أما السلوى فهو طائر مهاجر مثل السمان ويتوافر فيه البروتين، إذن: من المن والسلوى أعطاهم الغذاء الكامل، ومع ذلك غلبت عليهم ماديتهم، وأرادوا أنْ يأكلوا مما تحت أيديهم مما تُخرج الأرض، يقولون إن هذا الطعام الجاهز قد لا يأتي، فقد لا ينزل المنّ ولا يأتيهم السلوى.
لذلك قالوا لموسى:
{لَن نَّصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الأَرْضُ مِن بَقْلِهَا وَقِثَّآئِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا ..} [البقرة: 61] .
بل وصلتْ بهم مادّيتهم إلى أن طلبوا من موسى عليه السلام رؤية الحق سبحانه فقالوا:
{لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً ..} [البقرة: 55] .
وقوله سبحانه: {وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمينَ} [الجاثية: 16] قالوا: عالَمِي زمانهم، ليست على إطلاقها، لأن بني إسرائيل عاشوا في زمن ساد فيه الكفر والوثنية، وكانوا هم أهلَ كتاب يؤمنون بالله، فكانوا هم أفضلَ ممَّنْ عاصرهم.
{وَآتَيْنَاهُم بَيِّنَاتٍ مِّنَ الأَمْرِ فَمَا اخْتَلَفُواْ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بِيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ}
قد يسأل سائل: ما مناسبة هذا الحديث عن اليهود هنا؟
قالوا: يريد الحق سبحانه أنْ يقول: اذكر يا محمد أن أمتك قريش وغيرها عندهم شيء من طباع اليهود، وفعلوا كثيراً من أفعالهم، فأنزلَ الله بهم مثل ما أنزل بسابقيهم.
قال تعالى:
{أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ ..} [العنكبوت: 67] .
فكان أيّ واحد يخرج فقط عن مكة يخطفونه ويغتالونه ويأخذون ماله ومتاعه، لكن أهل مكة لم يجرؤوا على هذا لمكانتهم من البيت، وحرصاً على سلامة قوافلهم التجارية التي تسافر بين اليمن والشام وتمر بمعظم القبائل.