وأما العلم بكيفية مخلوقات الله تعالى وما فيها من العجائب والعلم بأحوال العرش والكرسي واللوح والقلم والجنة والنار وطباق السماوات وأصناف الملائكة وأنواع الحيوانات فِي المغاور والجبال والبحار فلا شك أن جبريل عليه السلام أعلم بها ، لأنه عليه السلام أطول عمراً وأكثر مشاهدة لها فكان علمه بها أكثر وأتم.
وثانيها: العلوم التي لا يتوصل إليها إلا بالوحي لا لمحمد صلى الله عليه وسلم ولا لسائر الأنبياء عليهم السلام إلا من جهة جبريل عليه السلام فيستحيل أن يكون لمحمد عليه الصلاة والسلام فضيلة فيها على جبريل عليه السلام ، وأما جبريل عليه السلام فهو كان الواسطة بين الله تعالى وبين جميع الأنبياء فكان عالماً بكل الشرائع الماضية والحاضرة ، وهو أيضاً عالم بشرائع الملائكة وتكاليفهم ومحمد عليه الصلاة والسلام ، ما كان عالماً بذلك ، فثبت أن جبريل عليه السلام كان أكثر علماً من محمد عليه الصلاة والسلام ، وإذا ثبت هذا وجب أن يكون أفضل منه لقوله تعالى: {قُلْ هَلْ يَسْتَوِى الذين يَعْلَمُونَ والذين لاَ يَعْلَمُونَ} [الزمر: 9] .
ولقائل أن يقول لا نسلم أنهم أعلم من البشر ، والدليل عليه أنهم اعترفوا بأن آدم عليه السلام أكثر علماً منهم بدليل قوله تعالى: {قَالَ يَاءَادَمُ أَنبِئْهُم بِأَسْمَائِهِمْ} [البقرة: 33] ثم إن سلمنا مزيد علمهم ولكن ذلك لا يقتضي كثرة الثواب ، فإنا نرى الرجل المبتدع محيطاً بكثير من دقائق العلم ولا يستحق شيئاً من الثواب فضلاً عن أن يكون ثوابه أكثر وسببه ما نبهنا مراراً عليه أن كثرة الثواب إنما تحصل بحسب الإخلاص فِي الأفعال ولم نعلم أن إخلاص الملائكة أكثر.