خامسها: بالأحوال الحادثة المتعلقة بالسماء والأرض، وإليه الإشارة بقوله: {وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَّكُمْ} فإن السماء كالأب، والأرض كالأم، تنزل قطة من صلب السماء إلى رحم الأرض، فيتولد منها أنواع النبات.
ولما ذكر تعالى هذه الدلائل الخمسة رتب المطلوب عليها فقال: {فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَاداً وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ} فهو مشتمل على إثبات الإله، وعلى إثبات كونه واحداً، لأن تلك حوادث، وكل حادث لابد له من محدث، وذلك دليل على وجود الصانع، ولأنها حدثت لا على وجه الخلل والفساد، وذلك دليل على وحدة الصانع {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا} .
ثم هنا لطيفة أخرى مرعية في هذه الآية، وهي أنَّ الترتيب الحسن المفيد في هذه الآية: في التعليم من الأظهر فالأظهر، نازلاً إلى الأخفى فالأخفى في الدلائل، لأنه تعالى قال: {اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ} فجعل استدلال كل عاقل بنفسه مقدماً على جميع الاستدلالات لأن إطلاع كل أحد على أحوال نفسه أتم من إطلاعه على أحوال غيره، فيجد بالضرورة
من نفسه أنه
تارة يكون مريضاً، وتارة صحيحاً، وتارة ملتذاً، وتارة متألماً، وتارة شاباً، وتارة شيخاً، والانتقالُ من بعض هذه الصفات إلى غيرها ليس باختياره، ولا باختيار أحد.
وأيضاً: كثيراً ما يجتهد في طلب شيء فلا يجد، وكثيراً ما يكون غافلاً عنه فيحصل، وعند ذلك يعلم كل أحد عند نقض العزائم وفسخ الهمم أنه لابد له من مدبر يكون تدبيره فوق تدبير البشر.
وربما اجتهد العاقل الذكي في الطلب فلا يجد، والغِرُّ الغبي يتيسر له ذلك المطلوب، فعند هذه الاعتبارات يلوح له صدق قول الإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه:
ومن الدليل على القضاء وكونه ... بؤس اللبيب وطيب عيش الأحمق
ويظهر له أن هذه المطالب إنما تحصل وتتيسر بناءً على قسمة قسّام لا تمكن منازعته ومغالبته.
وبالجملة فلما كان اطلاع كل أحد على أحوال نفسه أشدَّ من اطلاعه على أحوال غيره لا جرم قدم هذا الدليل على سائر الدلائل.
ثم يتلوها مرتبة ثانية: وهي علم كلِّ أحد بأحوال آبائه وأجداده، وأهل بلده.