فقال: هيهات هيهات يا أصمعيّ إن الله خلق الجنة لمن أطاعه، ولو كان عبدا حبشيا، وخلق النار لمن عصاه ولو كان حرا قرشيا، أليس الله تعالى يقول: {فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَساءَلُونَ 101 فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ 102 وَمَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خالِدُونَ 103}
والفخر وإن نهت عنه الأخبار النبوية ومجّته العقول الذكية إلا أن العرب كانت تفتخر بما فيها من البيان طبعا لا تكلفا، وجبلة لا تعلما، ولم يكن لهم من ينطق بفضلهم إلا هم ولا ينبه على مناقبهم سواهم.
وكان كعب بن زهير إذا أنشد شعرا قال لنفسه: أحسنت وجاوزت والله الإحسان، فيقال له: أتحلف على شعرك؟
فيقول: نعم لأني أبصر به منكم.
وكان الكميت إذا قال قصيدة صنع لها خطبة في الثناء عليها، ويقول عند إنشادها: أي علم بين جنبي وأي لسان بين فكي.
وقال الجاحظ، ولم يصف الطبيب مصالح دوائه للمعالجين ما وجد له طالب. ولما أبدع ابن المقفع في رسالته التي سماها باليتيمة تنزيها لها عن المثل، سكنت
من النفوس موضع إرادته من تعظيمها، ولو لم ينحلها هذا الاسم لكانت كسائر رسائله.
وسنذكر في هذا الباب إن شاء الله تعالى شيئا من نظم البلغاء ونثرهم في الافتخار ومن تفاخر منهم بعون الله وفضله وتيسيره.
قال أبو بكر الهذلي: سايرت المنصور فعرض لنا رجل على ناقة حمراء تطوي الفلاة وعليه جبة حمراء وعمامة عدنية، وفي يده سوط يكاد يمس الأرض، فلما رآه المنصور أمرني بإحضاره، فدعوته، وسألته عن نسبه وبلاده وعن قومه وعشيرته وعن ولاة الصدقة، فأحسن الجواب، فأعجبه ما رأى منه، فقال أنشدني شعرا، فأنشده شعر الأوس بن حجر وغيره من الشعراء من بني عمرو بن تميم، وحدثه حتى أتى على بيت شعر لطريف بن تميم وهو قوله:
إن الأمور إذا أوردتها صدرت ... إن الأمور لها ورد وإصدار
فقال: ويحك ما كان طريف فيكم حيث قال هذا البيت؟
قال: كان أثقل العرب على عدوه وطأة وأقراهم لضيفه، وأحوطهم من وراء جاره، اجتمعت العرب بعكاظ، فكلهم أقروا له بهذه الخلال، فقال له: والله يا أخا بني تميم لقد أحسنت إذ وصفت صاحبك، ولكني أحق ببيته منه ومن شعر أبي الطحان:
وإنّي من القوم الذين هم هم ... إذا مات منهم سيّد قام صاحبه
نجوم سماء كلمّا غاب كوكب ... بدا كوكب تأوي إليه كواكبه