أي: ولو ترى - أيها الرسول الكريم - حال أولئك المجرمين الذين أنكروا البعث والجزاء، وهم يقفون أمام خالقهم بذلة وخزي، لحسابهم على أعمالهم .. لو ترى ذلك لرأيت شيئا ترتعد له الفرائص، وتهتز منه القلوب.
وقوله: رَبَّنا أَبْصَرْنا وَسَمِعْنا فَارْجِعْنا نَعْمَلْ صالِحاً إِنَّا مُوقِنُونَ حكاية لما يقولونه في هذا الموقف العصيب. أي: يقولون بذلة وندم: يا ربنا نحن الآن نبصر مصيرنا، ونسمع قولك ونندم على ما كنا فيه من كفر وضلال، فَارْجِعْنا إلى الدنيا، لكي نَعْمَلْ عملا صالِحاً إِنَّا مُوقِنُونَ الآن بأن ما جاءنا به رسولك هو الحق، وأن البعث حق. وأن الجزاء حق، وأن الجنة حق، وأن النار حق.
ولكن هذا الإيقان والاعتراف منهم، قد جاء في غير أوانه، ولذا لا يقبله - سبحانه - منهم، ولذا عقب - سبحانه - على ما قالوه بقوله: وَلَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها .... أي: ولو شئنا أن نؤتى كل نفس رشدها وهداها وتوفيقها إلى الإيمان، لفعلنا، لأن إرادتنا نافذة، وقدرتنا لا يعجزها شيء.
وَلكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي أي: ولكن ثبت وتحقق قولي.
لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ أي من الجن وسموا بذلك لاستتارهم عن الأنظار.
ومن النَّاسِ أَجْمَعِينَ بسبب فسوقهم عن أمرنا، وتكذيبهم لرسلنا.
فالمقصود من الآية الكريمة بيان أن قدرة الله - تعالى - لا يعجزها شيء، إلا أن حكمته - سبحانه - قد اقتضت أن الذين سبق في علمه أنهم يؤثرون الضلالة على الهداية، لسوء استعدادهم، يكون مصيرهم إلى النار، وأما الذين آثروا الهداية على الضلالة لنقاء نفوسهم، وكمال استعدادهم، فيكون مصيرهم إلى جنة عرضها السماوات والأرض.
كما أن حكمته - سبحانه - قد اقتضت أن يميز الإنسان على غيره، بأن يجعل له طبيعة
خاصة يملك معها اختيار طريق الهدى أو طريق الضلال. كما قال - تعالى - إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْناهُ سَمِيعاً بَصِيراً. إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ، إِمَّا شاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً.
ثم بين - سبحانه - ما يقال لهؤلاء المجرمين عند ما يلقى بهم في جهنم فقال - تعالى -: