قلت: قدمها لأن المقام مقام تحقير، ولأن الجهنميين منهم أكثر فيما قيل، ولا يلزم من قوله: {أَجْمَعِينَ} دخول جميع الإنس والجن فيها, لأنها تفيد عموم الأنواع لا الأفراد، فالمعنى: لأملأنها من ذينك النوعين جميعًا، كما ذكره بعض المحققين، ورد: بأنه لو قصد ما ذكر .. كان المناسب التثنية دون الجمع، بأن يقول: كليهما، فالظاهر أنها لعموم الأفراد، والتعريف فيهما للعهد، والمراد عصاتهما، ويؤيده قوله في آية أخرى خطابًا لإبليس: {لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ (85) } ، فتأمل.
{وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَلَا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَائِهِ ... (23) }
أي: من لقائك موسى عليه السلام ليلة المعراج، قاله ابن عباس رضي الله عنهما.
عن ابن عباس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"رأيت ليلة أسري بي موسى رجلًا آدم طوالًا جعدًا، كأنه من رجال شنوءة، ورأيت عيسى رجلًا مربوعًا، مربوع الخلق، إلى الحمرة وإلى البياض، سبط الشعر، ورأيت مالكًا خازن النار، والدجال في آيات أراهن الله إياه، فلا تكن في مرية من لقائه". متفق عليه.
وعن أنس أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:"أتيت على موسى ليلة أسري بي، عند الكثيب الأحمر، وهو قائم يصلي في قبره". أخرجه مسلم.
فإن قلت: قد صحّ في حديث المعراج: أنه رآه في السماء السادسة عند مراجعته في الصلوات، فكيف الجمع بين هذين الحديثين؟
قلت: يحتمل أن تكون رؤيته في قبره عند الكثيب الأحمر كان قبل صعوده إلى السماء، وذلك في طريقه إلى بيت المقدس، ثم لما صعد إلى السماء السادسة .. وجده هناك قد سبقه لما يريد الله عزّ وجل، وهو على كل شيء قدير.
فإن قلت: كيف تصح منه الصلاة في قبره وهو ميت، وقد سقط عنه التكليف وهو في دار الآخرة، وليست دار عمل؟ وكذلك رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - جماعة من الأنبياء وهم يحجون، فما الجواب عن هذا؟
قلت: يجاب عنه بأجوبة:
منها: أن الأنبياء كالشهداء، بل هم أفضل منهم، والشهداء أحياء عند ربهم يرزقون، فلا يبعد أن يحجوا أو يصلوا كما صح في الحديث، وأن يتقربوا إلى الله بما استطاعوا، وإن كانوا قد ماتوا, لأنهم بمنزلة الأحياء في هذه الدار، التي هي دار العمل، إلى أن تفنى، ثم يرحلون إلى دار الجزاء، التي هي الجنة.