قال مكحول: الجنين في بطن أمه لا يطلب، ولا يحزن، ولا يغتم، وإنما يأتيه رزقه في بطن أمه من دم حيضها، فمن ثم لا تحيض الحامل (4) ، فإذا وقع إلى الأرض استهل واستهلاله استنكار لمكانه، فإذا قطعت سرته حولى اللَّه رزقه إلى ثدي أمه حتى لا يطلب ولا يحزن ولا يغتم، ثم يصير طفلًا يتناول الشيء بكفه فيأكله، فإذا هو بلغ قال هو الموت أو القتل أنى لي بالرزق؟ فيقول مكحول يا ويلك غَذَّاكَ وأنت في بطن أمك وأنت طفل صغير حتى إذا اشتددت وعقلت قلت هو الموت أو القتل أنى لي بالرزق؟ ثم قرأ مكحول قوله تعالى: {اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ (8) } هو أي بأجل حفظ أرزاق خلقه وآجالهم وجعل لذلك أجلًا معلومًا.
8 -ومن علم اللَّه تعالى: علمه للحظة الوضع؛ وهل هي بعد تمام الحمل على المعتاد؛ أم سيولد قبل التسعة، أم سيتأخر بعدها، أعني العلم بمدة الحمل (6) على سبيل العلم الحقيقي لا العلم المزعوم المحتمل. . . فهل يمكنهم إذا جامع رجل زوجته، وذهب إليهم أن يخبروه بموعد الولادة؛ لأنه مسافر الآن ويريد أن يعرف الموعد بالضبط ليرجع على هذا الموعد، فإذا
رجع على الموعد فوجدهم أخطأ وعاقبهم بالسجن والقتل؟ فهيا أخبروه ليسافر.
9 -كثيرًا من تصرفات أدعياء العلم الحديث تدل على جهلهم بحال ما في الأرحام، ومن ذلك فعلهم وقولهم تطعيم ضد كذا من الأمراض؛ لأنهم لا يعلمون هل سيصاب أم لا، ولو علموا لطعموا المصاب فقط، ثم كيف ولو قدر اللَّه له الإصابة لأصيب (1) ، وإذا كان الحال هذا فما ذنب السليم في علم اللَّه أن يطعم بنوع من الفيروسات لمقاومة فيروس لم يقدر أن يحل في بدنه أصلًا، فهذا دليل على الجهل القائم على الاحتمالات والظنون؛ وإن كنا لا نذمهم على هذا، فهو من باب الاحتياط والأخذ بالأسباب.