وعطف عليه {ويعلم ما في الأرحام} أي: ينفرد بعلم جميع أطواره من نطفة وعلقة ومضغة ثم من كونه ذكراً أو أنثى وإبان وضعه بالتدقيق.
وجيء بالمضارع لإفادة تكرر العلم بتبدل تلك الأطوار والأحوال.
والمعنى: ينفرد بعلم جميع تلك الأطوار التي لا يعلمها الناس لأنه عطف على ما قصد منه الحصر فكان المسند الفعلي المتأخر عن المسند إليه مفيداً للاختصاص بالقرينة كما قلنا في قوله تعالى: والله يقدّر الليل والنهار.
وأما قوله وما تدري نفس ماذا تكسب غداً وما تدري نفس بأي أرض تموت فقد نسج على منوال آخر من النظم فجعل سَداه نفي علم أيَّة نفس بأخص أحوالها وهو حال اكتسابها القريب منها في اليوم الموالي يوم تأملها ونظرها ، وكذلك مكانُ انقضاء حياتها للنداء عليهم بقلة علمهم ؛ فإذا كانوا بهذه المثابة في قلة العلم فكيف يتطلعون إلى علم أعظم حوادث هذا العالم وهو حادث فنائه وانقراضه واعتياضه بعالم الخلود.
وهذا النفي للدراية بهذين الأمرين عن كل نفس فيه كناية عن إثبات العلم بما تكسب كل نفس والعلمُ بأي أرض تموت فيها كل نفس إلى الله تعالى ، فحصلت إفادة اختصاص الله تعالى بهذين العِلْمين فكانا في ضميمة ما انتظم معهما مما تقدمهما.
وعبر في جانب نفي معرفة الناس بفعل الدراية لأن الدراية علم فيه معالجة للاطلاع على المعلوم ولذلك لا يعبر بالدراية عن علم الله تعالى فلا يقال: الله يدري كذا ، فيفيد: انتفاء علم الناس بعد الحرص على علمه.
والمعنى: لا يعلم ذلك إلا الله تعالى بقرينة مقابلتهما بقوله {وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام} .
وقد علق فعل الدراية عن العمل في مفعولين بوقوع الاستفهامين بعدهما ، أي ما تدري هذا السؤال ، أي جوابه.
وقد حصل إفادة اختصاص الله تعالى بعلم هذه الأمور الخمسة بأفانين بديعة من أفانين الإيجاز البالغ حد الإعجاز.