وعلى هذا يخرجه"لو لم يخف الله لم يعصه"و"لو لم تكن ربيبتي لما حلت لي"
فإن عدم المعصية له ملزومات فهي الخشية والمحبة والإجلاء فلو انتفى بعضها وهو الخوف مثلا لم يبطل اللازم لأن له ملزومات أخرى غيره.
وكذلك لو انتفى كون البنت ربيبة لما انتفى التحريم لحصول الملازمة بينه وبين وصف آخر وهو الرضاع وذلك الوصف ثابت وهذا القسم إنما يأتي في لازم له ملزومات متعددة فيقصد المتكلم تحقق الملازمة على تقدير نفي ما نفاه منها.
وأما قوله تعالى: {وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ} فإن الآية سيقت لبيان أن أشجار الأرض لو كانت أقلاما والبحار مدادا فكتبت بها كلمات الله لنفدت البحار والأقلام ولم تنفد كلمات الله فالآية سيقت لبيان الملازمة بين عدم نفاد كلماته وبين كون الأشجار أقلاما والبحار مدادا يكتب بها فإذا كانت الملازمة ثابتة على هذا التقدير الذي هو أبلغ تقدير يكون في نفاد المكتوب فثبوتها على غيره من التقادير أولى ونوضح هذا بضرب مثل يرتقى منه إلى فهم مقصود الآية إذا قلت لرجل لا يعطي أحدا شيئا لو أن لك الدنيا بأسرها ما أعطيت أحدا منها شيئا فإنك إذا قصدت أن عدم إعطائه ثابت على أعظم التقادير التي تقتضي الإعطاء فلازمت بين عدم إعطائه أسباب الإعطاء وهو كثرة ما يملكه فدل هذا على أن عدم إعطائه ثابت على ما هو دون هذا التقدير وأن عدم الإعطاء لازم لكل تقدير فافهم نظير هذا المعنى في الآية وهو عدم نفاد كلمات الله تعالى على تقدير أن الأشجار أقلام والبحار مداد يكتب بها فإذا لم تنفد على هذا التقدير كان عدم نفادها لازما له فكيف بما دونه من التقديرات فافهم هذه النكتة التي لا يسمح بمثلها كل وقت ولا تكاد تجدها في الكتب وإنما هي من فتح الله وفضله فله الحمد والمنة ونسأله المزيد من فضله فانظر كيف اتفقت القاعدة العقلية مع القاعدة النحوية وجاءت النصوص بمقتضاهما معا من غير خروج عن موجب عقل ولا لغة ولا تحريف لنص ولو لم يكن في هذا التعليق إلا هذه الفائدة لساوت رحلة فكيف وقد تضمن من غرر الفوائد ما لا يتفق إلا على تجارة وأما من ليس هناك فإنه يظن الجوهرة زجاجة، والزجاجة المستديرة المثقوبة جوهرة، ويزري على الجوهري ويزعم أنه لا يفرق بينهما والله المعين.
(فصل)