يأمرانه به من الكفر والشرك بالله، وليتبع سبيل المنيبين إليه.
وفي هذا فحوى خطاب، وذلك أنه وصاه بشكرهما والبر بهما كافرين، فما
ظنك بتوصيته بهما إذا كانا مؤمنين طائعين لله تعالى، ثم إن كانا في مقام من الحكمة
والعلم أوجب عليه الدعاء لهما والاستغفار ووجبت عليه وظيفة أخرى من الشكر
سوى ما تقدم قال الله - جلَّ جلالُه -:(حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ
أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي
فِي ذُرِّيَّتِي).
ثُمَّ أرجع الخطاب إلى وصف وعظ لقمان ابنه، وأنه أوصاه بالتوكل على الله
وحسن الظن به، وتصديق وعده والثقة بضمانه، وبإقام الصلاة والأمر بالمعروف
والنهي عن المنكر، والصبر على العمل بطاعة الله، والصبر عن محارمه، والصبر
على المصاب كله، ومدح الصبر وقال إنه: (مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ(17) . ثم أمره
باجتناب الكبر ولزوم التواضع، والقصد في الأمور كلها في الهيئة والسيرة والشأن
كله كذلك إلى آخر القصة، وهذه هي الحكمة علمًا وعملاً.
قوله تعالى:(أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ
وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً)هذا مما شملته كلمة (الم) وما
عبرت عنه من خلق وأمر، وقرئ"وأصبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة"الظاهرة: هي
نعم النفع، والباطنة: نعم الدفع، والظاهرة: نعم الدنيا، والباطنة: نعم الآخرة، يعلم
العبد إذا عدد نعم ربه وحاسب نفسه كثيرًا منها صحةً وفراغ ونفسٍ ديْنًا ودنيا وغنًى
وعملاً صالحًا وذكرًا، وما كان من ذلك ونحا نحوه، ولا يعلم الأكثر مما يدافع عنه
من البلاء والآفات، وما من بلية تصيب العبد إلا والله - جلَّ جلالُه - موصوف بالقدرة على
الإتيان بأضعافها وبالضد.
أتبع ذلك قوله - جلَّ جلالُه -: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا
كِتَابٍ مُنِيرٍ (20) . هذا منتظم بما في أول الخطاب من قوله: [(خَلَقَ