والقرآن في الدلالة والإرشاد، وانفرد ظاهر القرآن بالبشارة والنذارة.
قوله تعالى: (خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ...(10) . . هذه وما
شابهها من الخلق والأمر من موجودات الكتاب الحكيم عمدها إمساكه إياها
وقيامها على ما هي عليه، هو بأمره لذلك وصف العمد بأنها غير مرئية لنا لا يجوز
غير هذا، وقد تقدم الكلام في أن الوجود كله هو المثبت في اللوح المحفوظ؛
لقول الله - جل ذكره - للقلم:"اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة"فمن شاء أن
يقرأ اللوح المحفوظ فلينظر في الوجود، ومن شاء أن يقرأ عن ظهر قلب فلينظر في
القرآن والغيب، هو ما لم يخرج بعد إلى الوجود من ذلك المكتوب، ومن الغيب
أيضًا ما غاب عنك فلم تشاهده.
أتبع ذلك قوله جل ذكره: (هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ ...(11)
لا خالق إلا الله، هذا إصفاق من المؤمنين، ولكن الكافرون عن الحق
يؤفكون، عبر عن ذلك قوله: (بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ) .
قوله - جلَّ جلالُه -: (وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ) المعنى إلى
آخره، بيَّن الله - جل ذكره - أن معنى الحكمة وسبيلها الشكر لله، وكل مروءة أو
علم أو سيرة أو إصابة أو فهم أو فطنة أو إتقان إلى جميع معاني الحكمة التي
تركبت عنها إذا عري ذلك عن الشكر لله ولم يقصد به ذلك، فليست بحكمة،
والحكمة هي: الإتقان في العمل والإصابة في القول والرأي، والفطنة والفهم
والسيرة والهيبة والسمت، وجميع الأوصاف والحلي، وإصابة الصواب في ذلك كله
والإلهام.
أتبع ذلك قوله: (وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ
لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (13) . الظلم: هو وضع الشيء في غير موضعه وإخراجه عن
طريقه الذي جعل له، ولما ذكر لقمان ووعظه ابنه أخذ في التوصية بالأبوين، وجعل
شكرهما منفصلاً من المشكر له - جلَّ جلالُه - متصلاً به، وعقوقهما متصلاً بالكفر به، وأكثر
التوصية بهما جدًّا وإن كانا كافرين، فليصاحبهما في الدنيا معروفًا، ولا يطعهما فيما