لكن يأتي ردهم: (بَلْ) وبل تفيد إضرابهم عما أنزل الله {نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَآءَنَا . .} [لقمان: 21] وفي آية أخرى {قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَآ أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَآءَنَآ ...} [البقرة: 170]
فما الفرق بين (وجدنا) و (ألفينا) وهما بمعنى واحد؟ قالوا: لأن أعمار المخاطبين مختلفة في صُحْبة آبائهم والتأثر بهم ، فبعضهم عاش مع آبائه يُقلِّدهم فترة قصيرة ، وبعضهم عاصر الآباء فترة طويلة حتى أَلف ما هم عليه وعشقه ؛ لذلك قال القرآن مرة (أَلْفيْنَا) ومرة (وَجَدَنْا) .
والاختلاف الثاني نلحظه في اختلاف تذييل الآيتين ، فمرة يقول: {أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ} [البقرة: 170] ومرة أخرى يقول: {أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ} [المائدة: 104]
فما الفرق بين: يعقلون ويعلمون؟
الذي يعقل هو الذي يستطيع بعقله أنْ يستنبط الأشياء ، فإذا لم يكن لديه العقل الاستنباطي عرف المسألة ممَّنْ يستنبطها ، وعليه فالعلم أوسع دائرة من العقل ؛ لأن العقل يعلم ما عقله ، أما العلم فيعلم ما عقله هو ما عقله غيره ، فقوله (يَعْلَمُونَ) تشمل أيضاً (يَعْقِلوُن) .
إذن: إذا نُفي العقل لا يُنفي العلم ؛ لأن غيرك يستنبط لك فالرجل الريفي البسيط يستطيع أن يدير التلفزيون مثلاً ويستفيد به ويتجول بين قنواته ، وهو لا يعرف شيئاً عن طبيعة عمل هذا الجهاز الذي بين يديه ، إنما تعلَّمه من الذي يعلمه ، فالإنسان يعلم ما يعقله بذاته ، ويعلم ما يعقله غيره ، ويؤديه إليه ؛ لذلك فنَفْي العلم دليل على الجهل المطبق الذي لا أملَ معه في إصلاح الحال .