وكل هذه الحجب خرقها الحق سبحانه لرسوله صلى الله عليه وسلم ، فمثلاً في غزوة مؤتة لما بعث النبي صلى الله عليه وسلم جيشه إليها ، وبقي هو في المدينة قال: حين وزَّع القيادة: يحمل الراية فلان ، فإذا قُتِل يحملها فلان ، فإذا قُتِل يحملها فلان وسمَّى هؤلاء الثلاثة ، ثم قال: فإذا قُتِل الثالث فاختاروا من بينكم مَنْ يحملها .
وجلس النبي صلى الله عليه وسلم بين أصحابه في المدينة ، وأخذ يصف لهم المعركة وصفاً تفصيلياً ، فلما عاد الجيش من مؤتة وجدوا واقع المعركة وفق ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم وهو في المدينة .
وقد نبهتنا هذه المسألة إلى السر في تسمية مؤتة (غزوة) وكانوا لا يقولون غزوة إلا للتي شهدها رسول الله بنفسه ، أما التي لا يخرج فيها فتسمّى (سرية) فلما أخبر صلى الله عليه وسلم بما يدور في المعركة مع بُعد المسافات اعتبرها المسلمون غزوة .
بل وأبلغ من ذلك ، فالحق سبحانه كسف لرسوله صلى الله عليه وسلم ما يدور في نفوس قومه: {وَيَقُولُونَ في أَنفُسِهِمْ لَوْلاَ يُعَذِّبُنَا الله بِمَا نَقُولُ ...} [المجادلة: 8]
هذه كلها من آيات الإنارة في القرآن التي استوعبتْ الماضي والحاضر والمستقبل .
ثم يقول الحق سبحانه: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتبعوا ...} .
كلمة {مَآ أَنزَلَ الله . .} [لقمان: 21] عامة تشمل كل الكتب المنزَّلة ، وأقرب شيء في معناها أن نقول: اتبعوا ما أنزل الله على رسلكم الذين آمنتم بهم ، ولو فعلتم ذلك لَسلَّمتم بصدق رسول الله وأقررتم برسالته .
أو: يكون المعنى {اتبعوا مَآ أَنزَلَ الله . .} [لقمان: 21] أي: تصحيحاً للأوضاع ، واعرضوه على عقولكم وتأملوه .