ونلحظ أيضاً أن القرآن يقول هنا: {قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَآءَنَا . .} [لقمان: 21] ، وفي موضع آخر يقول: {قَالُواْ حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَآ ...} [المائدة: 104] فقولهم: نتبع ما وجدنا عليه آباءنا فيه دلالة على إمكانية اتباعهم الحق ، فالإنكار هنا بسيط ، أما الذين قالوا {حَسْبُنَا ...} [المائدة: 104] يعني: يكفينا ولا نريد غيره ، فهو دلالة على شدة الإنكار ؛ لذلك في الأولى نفى عنهم العقل ، أما في الأخرى فنفى عنهم العلم ، فعَجُز الآيات يأتي مناسباً لصدرها .
وهنا يقول تعالى في تذييل هذه الآية {أَوَلَوْ كَانَ الشيطان يَدْعُوهُمْ إلى عَذَابِ السعير} [لقمان: 21] لأن آباءهم ما ذهبوا إلى ما ذهبوا إليه من عبادة الأصنام والكفر بالله إلا بوسوسة الشيطان ، فالشيطان قَدْر مشترك بينهم وبين آبائهم .
وهذا يدلنا على أن منافذ الإغواء مرة تأتي من النفس ، ومرة تأتي من الشيطان ، وبهما يُطمس نور الإيمان ونور المنهج في نفس المؤمن .
وسبق أنْ بينَّا أنك تستطيع أن تفرق بين المعصية التي تأتيك من قِبَل الشيطان ، والتي تأتيك من قِبَل نفسك ، فالشيطان يريدك عاصياً على أيِّ وجه من الوجوه ، فإذا تأبيْتَ عليه في ناحية نقلك إلى ناحية أخرى .
أما النفس فتريد معصية بعينها تقف عندها لا تتحول عنها ، فالنفس تميل إلى شيء بعينه ، ويصعب عليها أنْ تتوبَ منه ، ولكل نفس نقطة ضعف أو شهوة تفضلها ؛ لذلك بعض الناس لديهم كما قلنا (طفاشات) للنفوس ؛ لأنهم بالممارسة والتجربة يعرفون نقطة الضعف في الإنسان ويصلون إليه من خلالها ، فهذا مدخله كذا ، وهذا مدخله كذا .
لكن نرى الكثيرين ممن يقعون في المعصية يُلْقون بالتبعة على الشيطان ، فيقول الواحد منهم: لقد أغواني الشيطان ، ولا يتهم نفسه ، وهذا يكذّبه الحديث النبوي في رمضان: