يقول تعالى: {إِنَّآ أَنزَلْنَا التوراة فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النبيون الذين أَسْلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ والربانيون والأحبار بِمَا استحفظوا مِن كِتَابِ الله ...} [المائدة: 44]
وساعة تسمع الهمزة والسين والتاء ، فاعلم أنها للطلب: استحفظتُك كذا يعني: طلبتُ منك حِفْظه ، مثل: استفهمتُ يعني طلبت الفهم ، واستخرجت ، واستوضحت . . إلخ .
فلما جُرِّب الخَلْق في حفظ كلام الخالق فلم يؤدوا ، ولم يحفظوا ، تكفَّل الله سبحانه بذاته بحفظ القرآن ، وقال: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذكر وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر: 9]
لذلك ظلَّ القرآن كما نزل لم تَنَلْه يد التحريف أو الزيادة أو النقصان ، وصدق الله تعالى حين قال في أول سوره {ذَلِكَ الكتاب لاَ رَيْبَ فِيهِ ...} [البقرة: 2] لا الآن ، ولا بعد ، ولا إلى قيام الساعة ، حتى أن أعداء القرآن أنفسهم قالوا: لا يوجد كتاب مُوثَّق في التاريخ إلا القرآن .
والعجيب في مسألة حِفْظ القرآن أن الذي يحفظ شيئاً يحفظه ليكون حجة له ، لا حجة عليه ، كما تحفظ أنت الكمبيالة التي لك على خصمك ، أما الحق - سبحانه وتعالى - فقد ضمن حِفْظ القرآن ، والقرآن ينبئ بأشياء ستوجد فيما بعد ، والحق سبحانه لا يحفظ هذا ويُسجِّله على نفسه ، إلا إذا ضمن صِدْق وتحقُّق ما أخبر به وإلا لما حفظه ، إذن: فحِفْظ الحق سبحانه للقرآن دليل على أنه لا يطرأ شيء في الكون أبداً يناقض كلام الله في القرآن:
{وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ الله لَوَجَدُواْ فِيهِ اختلافا كَثِيراً} [النساء: 82]
وسبق أنْ قُلنا: إن القرآن حكم في أشياء مستقبلية للخلق فيها اختيار ، فيأتي اختيار الخَلْق وفق ما حكم ، مع أنهم كافرون بالقرآن ، مكذبون له ، ومع ذلك لم يحدث منهم إلا ما أخبر الله به ، وكان بإمكانهم أنْ يمتنعوا ، لكن هيهات فلا يتم في كون الله إلا ما أراد .