لماذا؟ لأنهم يعلمون أنه سيسلبهم المكانة التي كانت لهم ، والريادة التي أخذوها في العلم والاقتصاد والحرب . . إلخ ، لقد كانوا يُعِدُّون واحداً منهم ليُنصِّبوه ملكاً عليهم في المدينة ليلة هاجر إليها رسول الله ، فلما دخلها رسول الله لم تًعُد لأحد مكانة الريادة بعد رسول الله ، فرفض هذا الملك الجديد .
إذن: فكل الكتب السماوية لحقها التحريف والتغيير ، فلم يضمن لها الحق سبحانه الصيانات التي تحميها كما حمى القرآن ، وما ذاك إلا ليظهر شرف النبي الخاتم ، فالكتب السابقة للقرآن جاءت كتبَ أحكام ، ولم تكن معجزة في ذاتها ، فالرسل السابقون كانت لهم معجزات منفصلة عن الكتب وعن المنهج ، فموسى عليه السلام معجزته: العصا واليد . . إلخ وكتابه ومنهجه التوراة ، وعيسى عليه السلام معجزته أنْ يُبرئ الأكمه والأبرص ويحيى الموتى بإذن الله وكتابه ومنهجه الإنجيل .
أما محمد صلى الله عليه وسلم فمعجزته وكتابه ومنهجه هو القرآن ، فهو منهج ومعجزة ستصاحب الزمان إلى أنْ تقوم الساعة ؛ لأن رسالته هي الرسالة الخاتمة ، فلا بُدَّ أن يكون كتابه ومعجزته كذلك فنقول: هذا محمد وهذه معجزته .
أما الرسالات السابقة فكانت المعجزة وقتية لمن رآها وعاصرها ولولا أن الله أخبرنا بها ما عرفنا عنها شيئاً ، وما صدَّقنا بها ، وسبق أنْ شبَّهناها بعود الكبريت الذي يشعل مرة واحدة رآه مَنْ رآه ، ثم يصبح خبراً ؛ لذلك لا نستطيع أن نقول مثلاً: هذا موسى عليه السلام وهذه معجزته ؛ لأننا لم نَرَ هذه المعجزة .
ولما كانت الكتب السابقة كتباً تحمل المنهج ، وليست معجزة في ذاتها ترك الله تعالى حفظها لأهلها الذين آمنوا بها ، وهذا أمر تكليفي عُرْضة لأنْ يُطاع ، ولأنْ يُعصَى ، فكان منهم أنْ عصوا هذا الأمر فحدث تضبيب في هذه الكتب .