ولنا مَلْحظ في قوله تعالى {وَلاَ تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ . .} [لقمان: 18] فكلمة للناس هنا لها مدخل ، وكأن الله تعالى يقول لمن يُصعِّر خده ؛ لا تَدْعُ الناس إلى العصيان والتمرد على أقدار الله بتكبُّرك عليهم وإظهار مزاياك وسَتْر مزاياهم ، فقد تصادف قليلَ الإيمان الذي يتمرد على الله ويعترض على قدره فيه حينما يراك متكبراً متعالياً وهو حقير متواضع ، فإنْ كنت محترف صَعَر و (كييف) تكبُّر ، فليكُنْ ذلك بينك وبين نفسك ، كأن تقف أمام المرآة مثلاً وتفعل ما يحلو لك مما يُشْبع عندك هذا الداء .
فكأن كلمة {لِلنَّاسِ . .} [لقمان: 18] تعني: أن الله تعالى يريد أنْ يمنع رؤية الناس لك على هذا الحال ؛ لأنك قد تفتن الضعاف في دينهم وفي رضاهم عن ربهم .
ثم يقول لقمان: {وَلاَ تَمْشِ فِي الأرض مَرَحاً . .} [لقمان: 18] المرح هو الاختيال والتبختر ، فربُّكَ لا يمنعك أنْ تمشي في الأرض ، لكن يمنعك أنْ تمشي مِشيْة المتعالي على الناس ، المختال بنفسه ، والله تعالى يأمرنا: {فامشوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُواْ مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النشور} [الملك: 15]
فالمشي في الأرض مطلوب ، لكن بهيئة خاصة تمشي مَشْياً سوياً معتدلاً ، فعمر - رضي الله عنه - رأى رجلاً يسير متماوتاً فنهره ، وقال: ما هذا التماوت يا هذا ، وقد وهبك الله عافية ، دَعْها لشيخوختك .
ورأى رجلاً يمشي مشية الشطار - يعني: قُطَّاع الطرق - فنهاه عن القفز أو الجري والإسراع في المشي .
إذن: المطلوب في المشي هيئة الاعتدال ، لذلك سيأتي في قول لقمان: {واقصد فِي مَشْيِكَ ...} [لقمان: 19] يعني: لا تمشِ مشية المتهالك المتماوت ، ولا تقفز قفز أهل الشر وقُطَّاع الطريق .