والموضع الآخر في قوله تعالى: {وَحَنَاناً مِّن لَّدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيّاً} [مريم: 13] فالمعنى: وهبنا لمريم شيئاً نُزكيها به ؛ ذلك لأن الزكاة أول ما تتعدى تتعدَّى من واجد لمعدم ، ومريم لم تتزوج فهي مُعْدَمة في هذه الناحية ؛ لذلك وهبها الله النماء الخاص من ناحية أخرى حين نفخ فيها الروح من عنده تعالى .
وفي موضع واحد ، جاءت الزكاة بمعنى زكاة المال ، لكن غير مقرونة بالصلاة ، وذلك في قوله تعالى: {وَمَآ آتَيْتُمْ مِّن رِّباً لِّيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ الناس فَلاَ يَرْبُو عِندَ الله وَمَآ آتَيْتُمْ مِّن زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ الله فأولئك هُمُ المضعفون} [الروم: 39]
وفي هذه الآية قال لقمان لولده: {يابني أَقِمِ الصلاة وَأْمُرْ بالمعروف . .} [لقمان: 17] ولم يقل: وآتِ الزكاة ، فلماذا؟
ينبغي أن نشير إلى أن القرآن جمع بين الصلاة والزكاة ؛ لأن الصلاة فيها تضحية بالوقت ، والوقت زمن العمل ، والعمل وسيلة الكسب والمال ، إذن ؛ ساعة تصلي فقد ضحيْتَ بالوقت الذي هو أصل المال ، فكأن في الصلاة تصدقت بمائة في المائة من المال المكتسب في هذا الوقت ، أمّا في الزكاة فأنت تتصدَّق بالعُشْر ، أو نصف العشر ، أو رُبْع العشر ، ويبقى لك معظم كسبك ، فالواقع أن الزكاة في الصلاة أكبر وأبلغ من الزكاة نفسها .
إذن: لما كانت الزكاة في كل منهما ، قرن القرآن بينهما إلا في هذا الموضع ، ولما تتأمله تجده من دقائق الأسلوب القرآني ، فالقرآن يحكي هذه الوصايا عن لقمان لولده ، ولنا فيه ملحظان: